jeu. Oct 1st, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

دراسة عن قوانين الانتخابات المقترحة في لبنان

نظاما الانتخاب الأكثري والنسبي والدوائر الصغرى: حسنات وسيئات
–إعداد: العميد الركن المتقاعد الدكتور رياض شـيّا
–باحث وأستاذ جامعي في القانون الدولي–مجلة الجيش

–مقدمـة   

كثيرة هي الأمور التي تشغل اللبنانيين وتقضّ مضاجعهم هذه الأيام. فكل مناحي الحياة اللبنانية، من أمن واقتصاد وسياسة وغير ذلك، تضج بما يكفي من الهمّ لإثارة القلق والارتباك والخوف على المصير.

وإذا كانت الانتخابات النيابية، كإحدى ركائز الديمقراطية، مناسبة لبنانية تتكرّر كل أربع سنوات، فهي أساسًا موعد للتجدّد وبعث الآمال بمستقبلٍ أفضل تنزاح فيه الهموم عن صدور الناس.

لكنّ ما يدعو للأسف، في لبنان، أن تتحوّل هذه المناسبة الطيّبة إلى موعد روتيني فارقته كل أسباب الحياة، ولا تثير لدى المواطنين أي حماسة تذكر. فهم لا يرون في الانتخابات فرصة لتجديد الحياة السياسية، ولا أملاً برؤية نخب جديدة تمثّل أحلامهم وطموحاتهم. فما اعتاده اللبنانيون، منذ الاستقلال، أن تكرّس الانتخابات الواقع السياسي المحكوم عليهم العيش فيه، بكل آثامه وعوراته. وما اعتادوه أيضًا، أن يشهدوا في كل دورة إنتخاب تقريبًا، قانون إنتخاب جديد، من دون أن يحمل لهم أي جديد. وإنما تجديدًا للقديم، وللوجوه نفسها، كأنّما قدر اللبنانيين أن تصبح الانتخابات النيابية موعدًا لدفن الآمال والأحلام والطموحات، فيغلب الإحباط، ويصبح الموعد الانتخابي همًّا آخر يضاف إلى الهموم الكثيرة الأخرى.

لذلك كله نطرح السؤال: هل بالإمكان تحويل الانتخابات النيابية موعدًا للتغيير، وإعادة الأمل للمواطنين بحياة كريمة في وطنهم؟ أي، هل يمكن أن يشكّل قانون الانتخابات الجديد أداة التغيير الموعودة؟

إذا كان الجواب هو عند السياسيين والمسؤولين المنغمسين في جدال  حول الصيغة المفترضة للقانون العتيد تحوم حوله الشبهة، ألا يمكن ويحقّ لمن هم خارج دوائر القرار السياسي أن يشاركوا في ما سيرسم لهم، وما سوف يطبّق عليهم وما سيمارسونه؟

نظريًا، من حقوق المواطنين أن يكون لهم رأي في النظام الانتخابي الذي سوف يقترعون على أساسه. وبحثنا هذا، ما هو إلاّ مساهمة في تشكيل ثقافة يحتاج إليها المواطنون عمومًا، والمهتمون بهذا الشأن خصوصًا.

بداية نودُّ أن نلفت النظر الى أنّ الأنظمة الانتخابية التي سنتطرّق إليها هي تلك المعتمدة في معظم دول العالم، ولو بأشكال متفاوتة، وذلك وفق الحاجات الخاصة بكل دولة. ولا بد من القول إنّ ما سنقدّمه ليس جديدًا بكل معنى الكلمة، بل ما نتوخاه حصرًا، هو تعميم المعرفة والثقافة الديمقراطية عمومًا، والثقافة الانتخابية خصوصًا، التي يجب أن ينالها جميع اللبنانيين، طالما أنّ الاقتراع هو من الحقوق السياسية الرئيسة، بخاصةٍ في ضوء النقاش والجدال الذين يدوران هذه الأيام في الأوساط السياسية وفي مجلسي الوزراء والنواب، وكذلك في الإعلام، ومن خلال مشاريع القوانين الانتخابية والاقتراحات المتعدّدة. كل ذلك يدعو الى أن لا تكون المعرفة والثقافة الانتخابية مقتصرتين على فئة قليلة من المواطنين، من سياسيين ورجال قانون وجامعيين ومتخصصين وسواهم. فالمطلوب أن تكون هذه المعرفة متيسّرة لجميع اللبنانيين الذين سيمارسون حقهم الانتخابي.

لا بد أيضًا من الإشارة إلى أنّ النظام الانتخابي المطلوب اعتماده في لبنان، لا يكون بنسخه عن نظام دولة أخرى بحذافيره، بل يجب أن يحقّق الغرض والهدف من الانتخاب، عمومًا، والاستجابة إلى الواقع اللبناني، وتلبية الطموحات الأكيدة التي تخدم بناء الدولة المدنية الديمقراطية العادلة.

وفي معالجتنا الموضوع الذي سيتناول نظاميّ الانتخاب الأكثري والنسبي ودوائر الانتخاب الصغرى، سنبدأ المعالجة أولاً، ولو باختصار، من مسألة الانتخابات والديمقراطية، ثم ننصرف إلى شرح معمّق لنظاميّ الانتخاب المشار إليهما، وحسنات كل منهما وسيئاته، إلى شرح للدوائر الصغرى، لنخرج بعدها ببعض النتائج والملاحظات.

Iالانتخابات والديمقراطية

لم يكن للديمقراطية، منذ نشأتها حتى عهدها الحاضر، أن تبلغ المقام الرفيع الذي هي عليه من دون الاستناد إلى الحرية. فلقد امتزجت، في إطارها السياسي، بالحريات العامة وبالحقوق الفردية، وبدت والحرية وجهين لعملة واحدة، لا يمكن الفصل بينهما، ولا تتحقّق الواحدة من دون وجود الأخرى. ومع ترسّخ الطابع الدستوري للديمقراطية، بدأت الأنظمة السياسية تكرّس، بالإضافة للحريات والحقوق، مبادئ هي في صلب الديمقراطية، كالسيادة والحكم الديمقراطي والانتخابات وغيرها.

فبموجب السيادة، يتركّز مصدر السلطات في الشعب، لتسمى معه بالسيادة الشعبية، ولم يعد الحكم الديمقراطي أن يشترك الشعب مباشرة في الحكم، بل بات حكمًا نيابيًا يتولاه نواب الشعب أو ممثلوه، من خلال انتخابات عامة تنفيذًا للفكرة الديمقراطية، فيبقى الحكم متصلاً بالشعب.

وهكذا باتت الانتخابات الأسلوب الديمقراطي الأرقى للتعبير عن سيادة الشعب، والأساس الشرعي لمختلف السلطات، والأداة المثلى لاختيار الحكام أنفسهم، كما لاختيار الرقباء (النواب) بجانب هؤلاء.

وعندما تأخذ الانتخابات طابعًا تنافسيًا، فهي في ذلك إقرار بظاهرة المجتمع التعدّدي. فالمجتمع السياسي هو بطبيعة الحال تعدّدي عندما تُقبل جميع مقتضيات حرية الرأي. فللمواطنين الحق باختلاف آرائهم حول القرارات السياسية شتى، وحول مختلف الشؤون العامة، بل وأيضًا حول تنظيم المجتمع والأسس التي يجب أن يقوم عليها. فتتجلّى تعدّدية المجتمع بحرية نشر الآراء غير المنسجمة مع «السلطة»، كما في حرية التجمّع والمشاركة، وفي تعدّد الأحزاب السياسية، والمرشحين، والكتل البرلمانية في المجالس التشريعية.

ويكرّس المجتمع التعدّدي الحرية كوعي للذات، وعي كل فرد لتمايزه عن الآخر، في مجتمع يسوده التسامح على الرغم من اختلاف المصالح والمعتقدات والمواقف، كما رأى ذلك جون لوك J. Locke في كتابه «الحكم المدني»، ومن بعده مونتسكيو، وفولتير، أو التسامح المبني على قاعدة المساواة التي هي درع الحرية كما نادى بها جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي»

وتتعزّز أكثر ظاهرة المجتمع التعدّدي، ومعها الحاجة إلى الانتخابات بطابعها التنافسي، إذا صح التعبير، في مجتمع كالمجتمع اللبناني لا يقتصر على اختلاف الآراء السياسية فحسب، بل هو متعدّد في تكوينه ليضمّ طيفًا واسعًا من المجموعات الدينية والإثنية وحتى اللغوية. في هذا المجتمع لا تبدو الانتخابات ترفًا سياسيًا أو ديمقراطيًا، بل هي حاجة وطنية إلى الحفاظ على الكيان وضمان استمراره في المستقبل.

II– الأنظمة الانتخابية

ثمة العديد من الأنظمة الانتخابية التي تهدف في نهاية الأمر إلى إتاحة المجال للناخبين لاختيار من يرونه صالحًا لتمثيلهم. ينبع هذا التعدّد في الأنظمة الانتخابية أساسًا من السعي الدائم إلى استحداث ما هو أفضل وأنسب وأكثر ملاءمة وأشدّ تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. فالنظام الانتخابي ينبغي أن يكون عادلاً وفعّالاً، بمعنى أنّه يجب أن يتساوى جميع المواطنين في ممارسة حقّهم الانتخابي، ولاسيّما إنّ السيادة الشعبية تؤول في آخر المطاف إلى الفرد الذي يمارسها في صندوق الاقتراع، وإن المساواة بين المرشحين، ويتيح تمثيل جميع شرائح المجتمع، يوفّر ويساهم في تكوين أكثريات حاكمة ومستقرّة.

أمّا أهمّ الأنظمة الانتخابية المعروفة اليوم في العالم وأبرزها، فهي: نظام الانتخاب الأكثري، ونظام الانتخاب النسبي، إلى نظام ثالث مختلط يجمع بين الأكثري والنسبي.

وقبل الشروع في شرح الأنظمة الثلاثة، لا بد من الإشارة إلى أنّ النظام الانتخابي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحجم الدائرة الانتخابية. فإذا كانت الدائرة صغيرة تضمّ عددًا قليلاً من الناخبين، ومخصّصة بمقعد نيابي واحد، وتسمّى دائرة منفردة، فالنظام المعتمد هو النظام الأكثري. أما إذا كانت الدائرة كبيرة وواسعة وتضمّ عددًا كبيرًا من الناخبين، ومخصّصة بأكثر من مقعد نيابي، فالنظام الطبيعي والصحيح الواجب اعتماده هو النظام النسبي، ولو كنا قد اعتدنا في لبنان على أشكال مختلفة.

أولاً- نظام الانتخاب الأكثري

هو من أقدم الأنظمة الانتخابية، واعتمدته بريطانيا، مقترنًا بالدائرة الفردية، منذ القرن التاسع عشر أو ما قبل، ثم تبعتها الدول الأنكلوسكسونية ومنها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها. يتم ممارسة هذا النظام عبر أشكال مختلفة، أهمها:

أ – الانتخاب الأكثري على دورة واحدة أو على دورتين

بمقتضى الانتخاب الأكثري البسيط، أي الذي تحسم فيه النتيجة في دورة واحدة، يفوز المرشّح الذي ينال أكثرية الأصوات، مهما كانت نسبتها من مجموع أصوات المقترعين.

أما في الانتخاب الأكثري على دورتين، فلكي المرشح عليه أن ينال الأكثرية المطلقة، أي النصف زائدًا واحدًا أو 51 % من عدد أصوات المقترعين، وذلك في الدورة الانتخابية الأولى. وإذا لم يتمكّن المرشّح من نيل هذه الغالبية، فيجري الانتخاب مجدّدًا في دورة ثانية، وفي مدة محدّدة، وهو ما يسمّى بـ«البالوتاج» ballotage، حيث يكون فائزًا في هذه الدورة من ينال أكثرية الأصوات.

ب– الانتخاب المنفرد والانتخاب على أساس اللائحة

يجري الانتخاب المنفرد في الدائرة الانتخابية التي لا تضمّ سوى مقعد نيابي واحد، بينما يتمّ الاقتراع على أساس اللائحة في الدوائر الانتخابية التي تضمّ مقعدين أو أكثر. يطبق الانتخاب المنفرد في الدوائر الصغرى التي لا تضمّ عددًا كبيرًا من الناخبين، في حين يطبّق الانتخاب الأكثري على أساس اللائحة في دوائر أوسع وأكبر، كالأقضية أو المحافظات أو المدن الكبرى.

الانتخاب على أساس اللائحة يجري بإحدى الطريقتين: الانتخاب باللائحة المعدّلة (Liste avec Panachage)، أو الانتخاب باللائحة المقفلة (Liste Bloquée). في الطريقة الأولى، يمكن للمقترع أن يُدخل تعديلاً على الأسماء المدرجة في اللائحة، سواء بالتشطيب أو التبديل، وذلك وفق رغبته وميوله السياسية، كما هو الحال في نظام الانتخاب اللبناني منذ زمن. أما في الطريقة الثانية، اللائحة المقفلة، فلا يحقّ للناخب إجراء أي تعديل في اللائحة، إذ عليه ان ينتخب واحدة من اللوائح المتنافسة من دون تعديل فيها. وعليه، يعتبر فائزًا من اللوائح المتنافسة، لملء المقاعد المخصّصة للدائرة الانتخابية، من ينال من المرشّحين أكثرية أصوات المقترعين، سواء من الدورة الأولى أو من الدورة الثانية.

يظهر الانتخاب الأكثري سهولة في التطبيق وفي معرفة النتائج. لكن يشوبه بعض المحاذير، كونه لا يعطي صورة صادقة وأمينة لحجم الأكثرية والأقلية، وبالتالي لتمثيلهما. وهو يجعل الأكثرية البسيطة في كل دائرة متحكّمة بالأقلية، التي تصبح غير ممثّلة تمثيلاً عادلاً، مهما كانت تمثّل من قوة ناخبة في الدائرة، أو على الرغم من مجموع الأصوات التي جمعتها في مختلف الدوائر الانتخابية.

في ختام مناقشتنا للنظام الانتخابي الأكثري، وقبل الانتقال إلى النظام النسبي، تقضي الضرورة بأن يتطرّق البحث بتفصيلٍ أكثر إلى الدائرة الفردية، التي صمّمت ليطبّق فيها النظام الأكثري، لا ليطبّق في دائرة أكبر، ولا ليطبّق في انتخاب على أساس اللائحة، كما هو الحال في لبنان. لأنّ النظام الأكثري، وبخلاف ما أُريدَ أن يكون عليه، يصبح نظامًا فاقدًا صحة التمثيل وعدالته، وفاقدًا بالتالي صلاحيته.

ج- الدائرة الفردية

صمّمت الدائرة الفردية أساسًا لتكون قاعدة العملية الانتخابية، بحيث أنها تضمّ عددًا غير كبير من الناخبين، ينتخبون فيها نائبًا واحدًا فقط. فالناخب يمارس المبدأ  الانتخابي الديمقراطي، الذي درجت عليه الديمقراطيات العريقة: One Man One Vote، أي صوت واحد لكل رجل. فإنكلترا، التي احتفلت منذ خمسين عامًا بمرور سبعمائة عام على البرلمان الإنكليزي، تعتمد الدائرة الفردية بالنظام الأكثري نظامًا إنتخابيًا ثابتًا متين الصلاحية.

لذلك فإنّ الحكم على الدائرة الفردية، وعلى مدى صلاحيتها، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار النظام الأكثري الذي يطبّق فيها، لأنّه لا يمكن اعتماد أي نظام آخر سواه، أي لا يمكن تطبيق النسبية تحديدًا فيها، طالما يجري انتخاب نائب واحد فقط. من هنا يمكننا تبيّن حسنات الدائرة الفردية وسيئاتها ومعها النظام الأكثري.

بالإضافة إلى بساطة تطبيق النظام الأكثري فيها وسهولته، يمكن القول أنّ الدائرة الفردية توفّر المساواة بين الناخبين، حيث لا يمكن للناخب الذي يدلي بصوته أن ينتخب أكثر من مرشّحٍ واحد، على عكس الانتخاب باللائحة حيث ينتخب أكثر من مرشح في الوقت نفسه.

يعتبر أنصار الدائرة الفردية، وكما هو معمول بها في الدول الأنكلوسكسونية، أنّها تساهم في إقامة الثنائية الحزبية «Two Party-System»، أو ثلاثة أحزاب على الأكثر، فتتمحور مختلف التيارات السياسية حول تيارين أو ثلاثة، بدلاً من تشتّت الأصوات بين أحزاب صغيرة غير قادرة على الوصول إلى السلطة. يساعد هذا الاتجاه الأحزاب على التمتّع بقاعدة شعبية واسعة متحرّرة من ضغوط المصالح الفئوية والأيديولوجيات المتطرّفة، فتعمل على تحقيق البرامج الواقعية

كما أن المرشّح في الدائرة الفردية يكون عادةً أكثر قربًا من ناخبيه منه في الانتخابات على أساس اللائحة، إذ أنّ الناخبين قليلًا ما يعرفون مرشّحي اللائحة عن كثب. فالمرشح المنفرد يستمدّ قوّته الانتخابية من اتصال الناخبين بشخصه، فيصبح أقل تأثرًا بجماعات الضغط، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم غير ذلك. لا بل يمكن لهذا المرشّح أن يجيّر قوته لأحد الأحزاب المتنافسة.

وفي هذا الإطار، هناك رأي خاص للعلاّمة الدكتور إدمون ربّاط، يعتبر فيه أنّ الانتخاب الأكثري المنفرد، أي الدائرة المخصّصة بمقعد واحد، يتميّز بأنّه يحول دون توزيع المقاعد توزيعًا طائفيًا كما هو جارٍ في لبنان، حيث أنّ الدائرة المنفردة تمكّن أي مواطن من ترشيح نفسه مهما كانت طائفته ومذهبه، حتى إذا ما فاز، يكون قد برهن الناخبون بأكثريتهم على أنّهم اختاروه لثقتهم به، بصرف النظر عن دينه. ويرى الدكتور ربّاط في ذلك، طريقة قد تبدو ناجحة لإزالة الطائفية السياسية في لبنان.

على الرغم من فوائد الدائرة الفردية والنظام الأكثري وحسناتهما، إلاّ أنّ سلبيات عديدة تضاف إلى تلك التي أشرنا إليها أعلاه، ولاسيما أنّهما لا يعطيان صورة صحيحة عن الأكثرية والأقلية. وأبرز هذه السلبيات، أنّه لا يمكن العمل بهما بصورة صحيحة لتحقيق الأهداف المتوخّاة إلاّ في مجتمعات مستقرّة ومتجانسة من الناحيتين الاجتماعية والنفسية، وتحترم المبادئ والقواعد الديمقراطية في التنافس الانتخابي، ولا سيّما استخدام الوسائل الشرعية والقانونية لكسب أصوات الناخبين. فكثيرًا ما يحدث تلاعب في حجم الدوائر الفردية وتقسيمها بصورة غير عادلة، ما يسمح بإيجاد أكثريات مؤيّدة لمرشّحي الحكومة أو جهات معيّنة  وهذا ما نراه في النزاع الدائر هذه الأيام بين القوى اللبنانية المختلفة حول تقسيم الدوائر الانتخابية، لدرجة أنّ بعض المشاريع اللبنانية يجرّد الدائرة الفردية من جميع حسناتها التي أشرنا إليها.

ثانيًا – نظام الانتخاب النسبي

تعود أصول نظام الانتخاب النسبي إلى بداية القرن التاسع عشر مع انتشار الفكر الليبرالي في أوروبا، حيث أخذ المفكّرون السياسيون بالتصدي للمسائل الاجتماعية والسياسية على ضوء أفكار التنوير الجديدة التي تدعو إلى تعزيز الحريات العامة ومنح المواطنين المزيد من الحقوق المدنية والسياسية. وإذا كانت المساواة بين المواطنين هي واحدة من المبادئ الأساسية التي طبعت ذلك العصر بوحي من مبادئ الثورة الفرنسية، فكان لا بد لها من أن تتكرّس في النظم الانتخابية، كأداة لاستدراك التمييز القائم في المجتمع، سواء بين الأفراد أو بين المجموعات. لذلك يعتبر أنّه جرى ابتكار هذا النظام أساسًا بهدف المساهمة في حماية الأقليات وضمان تمثيلها ومشاركتها في الحياة العامة. وكانت البداية مع المفكّر الفرنسي الطوباوي-الاشتراكي فيكتور كونسيديران (Victor Considerant 1808-1893) العام 1842 الذي يعتبر مبتكر النسبية. ودخلت فكرة النسبية حيّز التنفيذ العام 1855 بتضمينها في الدستور الدانماركي، وتطبيقها في عدة كانتونات سويسرية العام 1890 وأوّلها كانتون «Ticino»، وفي بلجيكا العام 1895، والسويد العام 1907، ليصل اعتمادها اليوم في أكثر من تسعين دولة، إضافة إلى اعتمادها العام 1999 صيغة لانتخاب البرلمان الأوروبي.

إذا كان يشوب نظام الانتخاب الأكثري علّة عدم تمثيله العادل والصحيح لمجموع الناخبين، وتاليًا لمختلف مكوّنات المجتمع، فإنّ الهدف الأساس لنظام الانتخاب النسبي هو التمثيل الصادق والدقيق للأقليات الناخبة، وذلك بالاستناد إلى نسبة الأصوات التي تحصّلها كل أقلية. هذا يقود إلى نتيجة مباشرة، هي ضرورة إجراء الانتخاب النسبي على أساس اللوائح الانتخابية، حيث يكون بالإمكان توزيع المقاعد المخصّصة للدائرة الانتخابية بين أكثرية وأقلية تضمّهما اللوائح المتنافسة، وفق ما تجمعه كل لائحة من أصوات الناخبين. واللوائح تؤدّي، حسب هذا الواقع، إلى ضرورة وجود أحزاب سياسية تتمثّل بلوائح إنتخابية تضمّ مرشّحيها.

إنّ نظام الانتخاب النسبي يسمح للأقليات بحماية حقوقها، وبأن تتمثّل بعدد من النواب يناسب حجمها العددي، وبالتالي يؤمّن مشاركتها في تمثيل الأمة التي هي جزء منها. وعليه يصبح هذا النظام معبّرًا عن واقع المجتمع، وعن اتجاهات الرأي العام، وذلك على عكس نظام الانتخاب الأكثري، الذي يصادر أصوات الأقليات ويحرمها التمثيل، ويمنح المقاعد المخصّصة للدائرة الانتخابية إلى اللائحة التي تحصل على الأكثرية البسيطة من أصوات المقترعين.

والنظام النسبي، على ما يظهر في تطبيقه، يساهم بتعدّد الأحزاب، وتاليًا في صعوبة تأمين أكثرية نيابية من حزب واحد، ما يؤدّي إلى قيام تحالفات بين أكثر من حزب لتأمين الأكثرية النيابية اللازمة لتولي الحكم، ما قد يؤمّن مشاركة أوسع في السلطة.

كيف يطبّق النظام النسبي؟

على الرغم من السهولة الظاهرة في إمكان معرفة الحصص (من عدد المقاعد) التي تنالها اللوائح (أو الأحزاب)، وفق النسبة التي حصّلتها كل لائحة من مجموع أصوات المقترعين، إلاّ أنّ التطبيق يظهر الحاجة إلى إيجاد قاسم مشترك لتوزيع المقاعد النيابية بين اللوائح المتنافسة.

يتم توزيع المقاعد النيابية وفق طريقتين رئيستين: الأولى هي طريقة الحاصل الانتخابي (أو المعدل الانتخابي/أو مخرج القسمة الانتخابي)، والثانية هي طريقة الحاصل الانتخابي المحدّد سلفًا، مع أرجحية استعمال الطريقة الأولى.

يتفرّع عن هاتين الطريقتين مشكلتان عمليتان هما: كيفيّة توزيع الأصوات المتبقية، وكيفيّة اختيار المرشحين الفائزين ضمن اللائحة.

1- طريقة الحاصل الانتخابي (أو المعدّل الانتخابي/أو مخرج القسمة الانتخابي)

تقضي هذه الطريقة بقسمة عدد أصوات المقترعين في الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد النيابية المخصّصة لها، فنحصل عندها على الحاصل الانتخابي، الذي سيستعمل لتحديد عدد المقاعد التي ستنالها كل لائحة مشاركة في الاقتراع.

ولنأخذ مثلاً يفترض أنّ عدد الأصوات المقترعة، في دائرة إنتخابية معيّنة، بلغ 125000 صوت، وأنّ عدد المقاعد المخصصة لهذه الدائرة هو خمسة مقاعد، فيكون الحاصل الانتخابي: 125000 / 5 = 25000. وهكذا تنال كل لائحة عددًا من المقاعد يساوي عدد المرات التي يتكرّر فيها الحاصل الانتخابي.

ولنتابع المثل أعلاه، فنفترض أنّ ثلاث لوائح تتنافس على المقاعد الخمسة، وأنّ اللائحة الأولى حصلت على 60000 صوت، واللائحة الثانية على 46000 صوت، واللائحة الثالثة على 19000 صوت، فيصبح توزيع المقاعد عل الشكل التالي:

اللائحة الأولى: 60000 /25000 = 2 مقعدان والباقي 10000 صوت

اللائحة الثانية: 46000 /25000 = 1 مقعد واحد والباقي 21000 صوت

اللائحة الثالثة: 19000 /25000 = صفر مقعد والباقي 19000 صوت.

2- طريقة الحاصل الانتخابي المحدد سلفًا (أو الثابت/أو المتساوي)

تقضي هذه الطريقة بالتحديد المسبق للحاصل الانتخابي، أي أن يحدّد القانون مسبقًا عدد الأصوات التي يجب أن ينالها المرشّح ليصار إلى انتخابه، وهو العدد نفسه للجميع.

والقانون، في تحديده عدد الأصوات اللازم لانتخاب المرشّح (أي الحاصل الانتخابي)، يأخذ بعين الاعتبار عدد جميع الناخبين في الدولة، وعدد المقاعد التي يتألّف منها المجلس النيابي. ووفق هذه الطريقة، ينال الحزب أو اللائحة عددًا من المقاعد يساوي المرات التي يتكرّر فيها الحاصل الانتخابي المحدّد سلفًا، سواءً في الدائرة أو في مجموع الدوائر الانتخابية في الدولة.

كما سبق وأشرنا، فإنّ مشكلتين مهمتين في نظام الانتخاب النسبي تحتاجان إلى الحل، وهما: كيفية إدارة الأصوات المتبقية، حيث ثمة أصوات بقيت من دون استعمال في التوزيع الأوّلي للمقاعد على اللوائح، كونها أقلّ من الحاصل الانتخابي، والمشكلة الثانية، هي كيفية توزيع المقاعد ضمن اللائحة عندما تفوز ببعض المقاعد المخصّصة للدائرة وليست كلها. سوف نتعرّف في ما يأتي الحلول التي اعتمدت لحلّ هاتين المشكلتين.

3- أساليب توزيع الأصوات المتبقية

توصّل الاختصاصيون إلى ثلاثة أساليب هي الآتية: «أسلوب البقايا الكبرى» المعروف بالأسلوب السويسري، «أسلوب المعدّل الأكبر»، و«أسلوب دهوندت» D’Hondt أو القاسم الانتخابي. وهذان الأخيران يوصلان إلى النتيجة نفسها التي تختلف عن الأسلوب الأول. وهذه تفاصيلها:

أسلوب توزيع البقايا الكبرى

حسب هذا الأسلوب، تعطى المقاعد الشاغرة إلى اللوائح التي تملك أكبر عدد من الأصوات المتبقية الأقرب إلى الحاصل الانتخابي.

وفي المثل أعلاه، استحقّت اللائحة الأولى مقعدين وبقي لها 10000 صوت غير مستعمل، واللائحة الثانية مقعدًا واحدًا وبقي لها 21000 صوت، والثالثة بقي لها 19000 صوت من دون أن تنال أي مقعد. إذًا استُحقّت ثلاثة مقاعد وبقي مقعدان شاغران. ووفق أسلوب البقايا الكبرى، يعود المقعدان الشاغران للائحة الثانية والثالثة كونهما يملكان البقايا الأكبر والأقرب إلى الحاصل الانتخابي. فيصبح التوزيع النهائي: مقعدان للائحة الأولى، مقعدان للثانية، ومقعد واحد للثالثة.

أسلوب المعدل الأكبر

توزّع المقاعد الشاغرة الباقية على اللوائح التي تملك المعدّل الأكبر والأقرب إلى الحاصل الانتخابي.

كيف يتم ذلك؟ لمعرفة المعدّل لكل لائحة، يضاف مقعد افتراضي إلى المقاعد الحقيقية التي نالتها كل لائحة، ثم يقسم عدد الأصوات التي حصّلتها على عدد المقاعد الجديدة (أي الحقيقي + الإفتراضي) فنحصل على المعدّل الجديد الذي يجب مقارنته بالحاصل الانتخابي. فوفق المثال السابق:

اللائحة الأولى:  60000/(2+1) (مقعدان حقيقيان+ مقعد إفتراضي)=20000 لكل مقعد

اللائحة الثانية: 46000/(1+1)= 23000 لكل مقعد

اللائحة الثالثة: 19000/(0+1)=19000 لكل مقعد

وهكذا يعطى المقعدان الرابع والخامس الشاغران للائحة الثانية والأولى كونهما يملكان أكبر المعدّلات.

هذا الأسلوب، على عكس الأسلوب الأوّل، يعزّز دور الأحزاب الكبرى على حساب الأحزاب الصغرى.

أسلوب دهوندت DHondt

يعتمد هذا الأسلوب إجراء عملية حسابية وحيدة توصل إلى النتيجة المبتغاة، عبر استخراج القاسم المشترك على النحو الآتي: يقسّم مجموع أصوات كل لائحة وبالتتابع على الأرقام 1-2-3-4-5… الخ، حتى الوصول إلى الرقم المطابق لعدد اللوائح المتنافسة (وهي ثلاث في المثال الذي اعتمدناه). ثم ترتّب المعدّلات الحاصلة بنتيجة القسمة إبتداءً من الأكبر فالأصغر حتى الوصول إلى المعدّل الموازي لعدد المقاعد المحدّدة الذي يسمى القاسم المشترك common denominator. ثم توزّع المقاعد على اللوائح بمقدار تكرار القاسم المشترك لدى كل لائحة.

لتوضيح هذا الأسلوب وفق المثال أعلاه، تقسّم أصوات كل لائحة على الأعداد 1-2-3 (الموازي لعدد اللوائح)، فنحصل على التالي:

اللائحة/ أصواتها

المجموع/1

المجموع/2

المجموع/3

الأولى/60000

60000

30000

20000

الثانية/46000

46000

23000

15000

الثالثة/19000

19000

9500

6333

ترتّب الحواصل من الأعلى إلى الأدنى: 60000، 46000، 30000، 23000، 20000 فنصل إلى الحاصل الخامس المقابل لعدد المقاعد، وهو 20000، الذي يعتمد كقاسم مشترك، فيصبح التوزيع النهائي كالآتي:

اللائحة الأولى: 60000/20000=3 مقاعد

اللائحة الثانية: 46000/20000=2 مقعدان والباقي 6000 صوت

اللائحة الثالثة: 19000/20000= صفر مقعد والباقي 19000 صوت

أي أنّ النتيجة جاءت مشابهة للأسلوب الثاني المشار إليه أعلاه.

هذا بالنسبة إلى مشكلة البقايا. أما مشكلة إختيار المرشّحين الفائزين من اللائحة، فإليكم:

4- كيفية اختيار المرشحين الفائزين ضمن اللائحة

تعتبر هذه المسألة من المسائل المعقّدة في نظام الانتخاب النسبي، إذ أنّ حلّها ينطوي على تقييد لإرادة الناخب.

هناك أسلوبان معتمدان لحل هذه المسألة وهما: أسلوب اللوائح المجمّدة Listes Bloquées، وأسلوب اللوائح المتنافسة مع التصويت التفضيلي vote préférentiel (أو المضاعف).

أسلوب اللوائح المجمّدة

في هذا الأسلوب، لا يمكن للناخب إلاّ التصويت لإحدى اللوائح المتنافسة كاملة، من دون شطب أي إسم أو تبديله بسواه، ومن دون تغيير في ترتيب الأسماء الواردة في اللائحة.

هذا الأسلوب بسيط مبدئيًا، إذ ليس على الناخب سوى اختيار إحدى اللوائح المتنافسة، والاختيار بالتالي (من الناحية النظرية) يكون بين البرامج المعروضة على التصويت.

وبهذا الأسلوب، ينال جميع المرشحين في كل لائحة عددًا متساويًا من الأصوات، وهو العدد الذي نالته اللائحة. فلمعرفة الفائزين من مرشحي اللائحة، وفق الحصة النسبية التي نالتها، يكون حسب ترتيب الأسماء في هذه اللائحة، إبتداءً من الإسم الأول إلى الإسم الموازي للرقم الذي يمثّل حصة اللائحة.

أسلوب اللوائح المتنافسة مع التصويت التفضيلي

وفق هذا الأسلوب، يجري الانتخاب على أساس لوائح يعلن عنها مسبقًا، ولا يجوز للمرشح أن يظهر إسمه إلاّ على لائحة واحدة، وعليه لا يستطيع الناخب أن يدوّن في ورقة تصويته أسماء مرشحين يختارهم من لوائح مختلفة. إلاّ أنّه يحقّ للناخب أن يعيّن من اللائحة مرشحًا أو أكثر (حسب ما يحدّد سلفًا) لكي يذهب إليهم صوته. فيكون الناخب قد صوّت للائحة وفضّل واحدًا أو أكثر من بين أعضائها. وبذلك لا ينال المرشحون في اللائحة الواحدة العدد نفسه من الأصوات. ولا يفوز بالانتخاب بقدر المقاعد المخصّصة للائحة سوى من يكون قد نال منهم العدد الأكبر من الأصوات.

مقارنة النظامين الأكثري والنسبي

لا شك أنّ في كلا النظامين من الحسنات والسيئات ما يفرض إجراء فحص دقيق لمدى استجابة كل منهما للمعايير الديمقراطية للعملية الانتخابية، واستدراك مدى توصّل الانتخابات عبر هذين النظامين إلى تحقيق الأهداف التي تتوخاها، ولا سيّما صحّة تمثيل الناخبين وفعالية المؤسسات الدستورية الناتجة عنها.

في ما يتعلّق بصحة التمثيل، لا يرقى أدنى شك إلى حقيقة تميّز النظام النسبي في كونه النظام الأمثل، الذي من خلاله تتمكّن مختلف التيارات السياسية والاجتماعية من أن تنال المقاعد النيابية الموازية لقوّتها الانتخابية، ما يضمن حقوق الأقليات والأحزاب الصغرى في المشاركة في قرارات المؤسسات الدستورية. مقابل ذلك، لا يعطي النظام الأكثري صورة صادقة عن صحة التمثيل الشعبي.

أما في ما يتعلّق بفعالية المؤسسات التي تفرزها الانتخابات، فإنّ النظام النسبي يؤدّي إلى تعدّد الأحزاب وتكاثرها، ويتيح لها ممارسة الانضباط الصارم على الناخبين المؤيّدين لها، ما يجعل من الصعوبة وصول نواب لا ينتمون إلى أحد الأحزاب. هذه الأفضلية التي يوفّرها النظام النسبي للأحزاب، هي من دون شك على حساب حرية الناخب في الاختيار بين المرشحين. كما أنّ تكاثر الأحزاب يؤثّر على حسن سير المؤسسات الدستورية، وكذلك يجعل المجلس النيابي مقيّدًا بإرادة زعماء هذه الأحزاب، ما يضعف من دوره المفترض.

وبدلاً من أن تستند الحكومات إلى أكثرية نيابية متجانسة ومتراصة يوفّرها النظام الأكثري، نراها تعتمد على أكثرية قائمة على تحالفات ركيكة ينعدم فيها الانسجام، ويسهل تفكّكها عند كل هزّة سياسية، ما يفقد البرلمان فعاليته.

في مقابل ذلك، وعلى الرغم من الشكوك التي تواكب النظام الأكثري لجهة صحة التمثيل، ولا سيما في الدائرة الفردية، فإنّ هذا النظام يوجِدُ في المجالس النيابية أكثرية متناسقة، ويساهم في تكوين ثنائية حزبية تتسلّم السلطات الدستورية وتؤمّن لها الاستقرار اللازم.

ثالثًا- نظام الانتخاب المختلط

بدأ استعمال هذا النظام بهدف الاستفادة من حسنات النظامين الأسبقين، والتقليل من المساوئ التي قد يتركها استخدام أحدهما بمفرده. ومن أبرز الدول التي تعتمده اليوم: ألمانيا، اليابان، إيطاليا، المكسيك، كوريا، نيوزيلندا، السنغال، معظم الديمقراطيات الجديدة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى (مثل روسيا وأوكرانيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وكازاخستان وغيرها) وفي الدول الناشئة (مثل السلطة الوطنية الفلسطينية).

يعتمد النظام المختلط على دمج نظامي الانتخاب الأكثري والنسبي في عملية إنتخابية واحدة، فيتمّ انتخاب عدد من النواب وفق النظام الأكثري، وعدد آخر وفق النظام النسبي. ويختلف تطبيق هذا النظام بين دولة وأخرى. إلاّ أنّه في الغالب، يجري انتخاب نصف النواب في دوائر فردية بالأكثري، والنصف الآخر في دوائر كبيرة وفق النظام النسبي، كما يجري في ألمانيا مثلاً.

يعتمد النظام المختلط التقنيات نفسها التي يعتمدها النظام النسبي في حلّ المسائل المتعلّقة بتوزيع الحصص النيابية، ولا سيما في كيفية إدارة الأصوات المتبقية وكيفية احتساب الفائزين ضمن اللائحة الواحدة. كذلك يعتمد التصويت الأكثري في الدوائر الفردية وعلى دورة واحدة أو دورتين. كما يلجأ بعض الدول، التي تعتمد هذا النظام، إلى وضع بعض القيود على الأحزاب، لتصبح مؤهّلة للاشتراك بالاقتراع النسبي في الدوائر الكبرى. فتفرض حصول الأحزاب على نسبة مئوية محدّدة (5 % في ألمانيا) من مجموع أصوات الناخبين المقترعين في الدولة كلها، أو الحصول على عددٍ محدّد من المقاعد في الاقتراع الأكثري

لا شك أنّ هذا النظام يجمع حسنات النظامين الأسبقين. إذ يؤمّن النظام النسبي عدالة في التمثيل لمختلف القوى والأحزاب، فتتمتّع الأقليات بتمثيل يوازي حجمها العددي، وتأخذ حصّتها النيابية، وتشارك في صنع قرارات المؤسسات الدستورية في البلاد. ثم إنّ القيود التي تفرضها أنظمة بعض الدول على المشاركة في الانتخاب النسبي، لجهة توافر حجم شعبي معقول لدى الاحزاب المشاركة، ما يمنع تشتّت المجالس التشريعية بين أقليات نيابية تمنعها من الاضطلاع بدورها، وتمنع بالتالي من توفير حكم مستقر. يساعدها في ذلك النظام الأكثري الذي يعتمد لانتخاب نصف النواب بتأمين استقطاب الناخبين وتمحور القوى السياسية حول تيارين أو ثلاثة، ما يؤدّي إلى قيام حكم فعّال ومستقر.

يحتاج النظام المختلط إلى الكثير من الدراية في أثناء اعتماده، مخافة تصادم سلبيات النظامين الأكثري والنسبي، كونهما مختلفين كليًا في الأهداف والوسائل.

قد يكون هذا النظام من الأنظمة التي تستجيب لواقع الدول ذات النسيج والتركيب المتعدّد، مع الحفاظ على بيئة مستقرّة للحكم تسمح بتقدّم البلاد وتطوّرها. النموذج الأقرب في هذا الإطار هو المشروع الذي تقدّمت به «الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية» التي كان يرأسها الوزير والنائب السابق الأستاذ فؤاد بطرس

الخاتمة

في ختام هذا البحث، نرجو أن تكون الصورة التي قدّمت للأنظمة الانتخابية الأكثر اعتمادًا في العالم، قد أوفت بالفائدة المطلوبة، وبالمادة اللازمة للثقافة الانتخابية، لا سيّما أننا على أبواب إنتخابات جديدة، نتمنى أن يتمّ إنجازها وفق قانون إنتخابي عصري، لا أن نراوح مكاننا ونتجرع الشوائب والنواقص ذاتها التي حوتها القوانين السابقة جميعًا.

إنّ قانون الانتخاب العتيد، إما أن يكون رافعة تنقل البلاد إلى حالة متقدّمة، تسمح بوصول نخب سياسية جديدة لم تتلوّث بأوبئة الطائفية والمذهبية وفساد الأخلاق والجشع التي تجتاح البلاد، أو أن يكرّس هذا القانون الوضع الحالي القائم على الانقسام والتشتّت والتعصّب والكراهية والفساد، ويمنع قيام دولة عصرية هي الأمل الوحيد للمواطنين، إلى أي طائفة انتموا.

 

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *