mar. Déc 1st, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

دور الصحافة والإعلام ورؤوس الأموال في تلميع صورة ماكرون

عندما كان مانويل ماكرون وزيراً للاقتصاد كانت شعبيته عند أدنى مستوياتها، وأجمع 11% فقط من عينية استقصائية رغبتهم في أن يلعب ماكرون دوراً في الحياة السياسية
وبعد عام ونصف من هذا الاستقصاء هبطت شعبيته إلى أدني مستوى لها في أوساط مهنية معينة، حيث كانت شعبيته بين العمال والحرفيين هي  6 بالمئة
تغير الحال قبل الجولة الأولى للانتخابات الفرنسية، حيث اعتبرته استطلاعات الرأي أهم شخصية سياسية في فرنسا، فما سبب هذا التغير؟ وكيف ارتفعت شعبيته بهذا القدر؟ الاجابة بلا شك الفضل للصحافة والإعلام.  وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان مجهولاً بالنسبة للجمهور حين كان يشغل منصب وزير الاقتصاد، إلا أن الصحافة كانت تحتفي به بشكلٍ لافت. فقد كان من مديري المال والبنوك السابقين، وعلى الرغم من كونه أحد مؤيدي قانون العمل الشهير، الذي لم يلقَ أي قبول لدى العاملين الفرنسيين.  ومع هذا بدأ الاحتفاء به من قبل الصحافة والصحفيين والنخب، حيث أصبح السياسي الشاب أكثر الشخصيات شهرة في الصحافة، والأكثر احتفاءً به خلال السنتين الماضيتين.
نشرت صحف ليبراسيون، وأوبزفاتور، ولوموند، نحو 80000 مقال تم من خلاله ذكر إيمانويل ماكرون ، من كانون الاول 2015 وحتى 2017، فيما نشرت تلك الصحف في نفس الفترة 7400 فقط مقال على مرشحين رئاسيين منهم وزير المالية السابق، جان لوك ميلانشون. لا يمتلك ماكرون أي مسار سياسي مميز، فهو شخصية كانت توصف بكونها تنتمي لتيار يسار الوسط، أو ما اعتادت الصحافة بتسميته (اليسار الليبرالي)، مثله مثل العديد من زملائه الذين شاركوا في مناصب وزارية في ظل حكومات الأغلبية الاشتراكية الحاكمة منذ وصول فرنسوا هولاند للحكم. ماكرون من مؤيدي أوروبا الموحدة والاتحاد الأوروبي، وبالطبع تلك سمة الكثير من التيار السياسي المؤيد للحكومة الاشتراكية، لكنه لم يقدم حلولاً اقتصادية للأزمة القائمة التي تختلف عن تلك التي قدمها الاشتراكيون منذ عام 1983، فهو بالفعل لم يظهر أي بوادر اختلاف أو تميز عن أقرانه من المشاركين في الحكومات الاشتراكية عندما كان وزيراً للاقتصاد.  مسار المرشح الأقرب لأن يكون ساكن الإليزيه القادم الشخصي تقليدي، فهو خريج مدرسة العلوم السياسية التي تخرج فيها معظم تكنوقراط فرنسا، وسياسييها، فلم يكن له أي ماض في العمل السياسي، ومساره المهني بدأ بالعمل بالبنوك قبل أن يختار وزيراً، وبالتالي فهو مجرد تكنوقراط، لم يخطو كثيراً في الحياة العامة، ليصبح من أصغر الوزراء في تاريخ فرنسا.  الصحافة كانت لها رأي مختلف، حيث رأت صحيفتا “ليبراسيون”، و”أبونيون”، على لسان رؤساء تحريرها، بأن ماكرون يمثل التغيير، ومحطم لأصنام السياسية التقليدية، ونافث روح جديدة من الأمل.  لكن التأييد لهذا القادم المجهول لم يأتِ من الصحفيين فقط، ولكنه أتى أيضاً من أصحاب وسائل الإعلام (حملة نسبة كبيرة من الأسهم)، مثال بيير برجيه (أحد ملاك جريدة لوموند الفرنسية، ومجلة أوبزرفاتور)، وفانسان بولوريه (أحد ملاك كانال بلوس أو قناة زائد “+ “الفرنسية الخاصة)، واللذان أعلنا تأييدهما له، لشبابه وحيويته ورغبته في التحديث.  الحياة الشخصية لماكرون استغلت لتخلق منه أسطورة تكسر كل المحاذير المجتمعية، حيث صور زواجه بمدرسته التي تكبره على أنه شكل من أشكال الثورة على مفاهيم المجتمع السائدة، فمن المعروف أن بيرجيت ماكرون زوجته كانت مدرسته في المرحلة الثانوية، وأنها تكبره كثيراً.  لم يقتصر الأمر على الصحف الشعبية التي تصدرت صور الزوجين معظمها، بل إن جرائد كبرى مثل “لوموند” و”لو فيجارو” اعتبروا أن زوج ماكرون من مدرسته سيمنحه أصوات النساء، لكن جاء تحليل مجلة “أكسبرس” أكثر تطوراً، حيث اعتبرت المجلة أن من لا يجب زواج ماكرون من مدرسته، ليس سوى شخص يرفض التطور والحداثة لدى الفرنسيين في علاقاتهم العاطفية.  وصل الحد إلى أن الصحافة تابعت إطلاق ماكرون للحيته لعدة أيام، ثم تناولت تفاصيل حلاقتها وما نتج عنها من جروح.
بعد الظهور المتكرر لماكرون في وسائل الإعلام وتناول المحللين والخبراء بالتحليل لمواقفه وتصريحاته، بدأت الصحافة والميديا في مطالبة هذا البطل الشعبي المخلوق من ورق الصحف، أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، سواء كان ذلك بشكل ضمني أو مباشر.  فخصصت قناة تليفزيون (فرانس 2) في نشرتها الإخبارية 222 دقيقة لإيمانويل ماكرون، يوم أن قرر الاستقالة من منصب وزير الاقتصاد، وهو ما يوازي ثلثي وقت النشرة الاخبارية، ونفس الشيء فعلته قناة (تليفزيون فرنس 1 الخاص)، وكان ماكرون هو ضيف النشرة في مقابلة دامت لمدة 17 دقيقة
كانت استقالة ماركون هي نقطة الانطلاق لحملته الرئاسية، وحركته (سائرون)، وقد تم تقديمها عبر وسائل الإعلام وكأنها لحظة أسطورية في تحول الحياة السياسة الفرنسية قبل أن تطلق حملة ترشحه الرسمي لانتخابات الرئاسة.  وبين عشية وضحاها يصبح ابن النظام، خريج مدارس النخبة، جنين بيوت المال وبنوك روتشيلد، عضو الحكومة ووزيرها، “مُعادٍ للنظام القائم”، في صورة اجتهدت الميديا على تقديمها للجمهور، ونجحت في خلقها وترويجها.  ومن بعد اكتمال تقديم الصورة المصطنعة لهذا المرشح الشاب القادر على تحديث الحياة السياسية الفرنسية، بذل مجهوداً في اللحظات الاخيرة بكون ماكرون هو المرشح الوحيد القادر على فك الارتباط بين الحياة السياسية وعالم المال والتمويل، وأنه من سينهي تأثير البنوك على السياسة.
وهنا أعلن مرشح تيار الوسط التقليدي للانتخابات الرئاسية فرنسوا بَايرو عن عدم ترشحه وتأييده للمرشح الجديد، الشاب صنيعة الميديا، إيمانويل ماكرون.  خلقت الميديا المملوكة لرجال المال والأعمال (وبعضهم عمل ماكرون معهم في مسار حياته العملية) مرشحها، ونجحت في تمريره للجولة الثانية ليكون أمام الفرنسيين خياران، أحلاهم مر. إما اليمين المتطرف العنصري، المستغل لخطاب حماية الهوية الثقافية لفرنسا، وإما رجل المال والبنوك، الذي سيعمل على بقاء الوضع الحالي، بالرغم تصوير الميديا له على أنه منقذ فرنسا من أزمتها.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *