mer. Sep 30th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

الدولة عن مجندي داعش البريطانيين: تجميل ما لا يُجَمّل وتبرير ما لا يُبرر

ندى حطيط —

مع كل هجوم إرهابي دامٍ جديد يُشن في أوروبا ويُنسب نهايةً إلى دواعش عائدين من الشرق الأوسط، ومع كل فيلمٍ ترويجي جديد يوزعه تنظيم (الدّولة) عن آخر مبتكراته من أعمال القتل والتنكيل وجز الرؤوس ويتحدث فيه مقاتلون ملثمون – بلهجات أوروبيّة محليّة لا تَخفى – عن الفتح المقبل إلى أوروبا، يقفز إلى ذهن المواطن الأوروبي العادي السؤال مجدداً: ما الذي يدفع هؤلاء الشبان (والشابات) الأوروبيين تحديداً إلى ترك حياتهم (المرفهة نسبيّاً) في المجتمعات الليبراليّة الغربيّة للإلتحاق بتنظيمٍ ظلاميٍ لا يُعرف عنه الكثير سوى توظيفه الشعارات الإسلاميّة لتبرير أسوأ أشكال العنف البشري الممكن إيقاعه على الآخرين والتعرض لخطر الموت والإغتصاب والإنقطاع عن العالم؟ وفي كل مرّة يحار الجمهور جواباً مع أكوام التبريرات الإستشراقيّة النفس والتي تقدم إجابات مسطحة تبسيطيّة لمسألة شديدة التعقيد ومتعددة الأبعاد.
هذا السؤال المُلِّح والمستعاد دورياً في الغرب استدرج ملايين البريطانيين الأسبوع الماضي لمشاهدة المسلسل الدّرامي – المستلهم من أحداث حقيقيّة – «الدولة»، والذي يروي قصة التحاق أربعة من البريطانيين (شابين وفتاتين – أحضرت إحداهما ابنها الصغير ذي التسعة أعوام) بداعش في نسخته السوريّة، لا سيّما وأن صاحب العمل ليس إلا بيتر كوسمينسكي المخرج البريطاني المعروف بقدرته الهائلة على تقديم أعمال الدراما التاريخيّة التي تكاد تخلق مساحة متفردة لوحدها في منطقة التداخل بين سحر الدراما وصرامة العمل الوثائقي.

خيبة أمل لم يتوقعها أحد

لكنه بدا ومن الحلقة الأولى أن «الدّولة» المسلسل الذي عُرض هذا الأسبوع على شاشة التلفزيون البريطاني القناة الرابعة وناشيونال جيوغرافيك عالميّاً كاملاً في أربع حلقات يومية لا يقّدم أي إجابة شافية على هذا السؤال. وبدلاً من أن يأخذ بأيدينا كوسمينسكي للغوص داخل عوالم وعقول هؤلاء الشبان والشبات لفهم دوافعهم ومنهجية تفكيرهم، يُلقي بنا الرجّل في سرديّة موهومة، تجمّل ما لا يجمّل، وتبرر ما لا يبرر، وتعطي للإرهاب المتشدد وجهاً إنسانيّاً لا يستحقه.

معهم رسولة جندر ولبؤة بين الأسود

يقدم المسلسل صورة إنسانيّة حميمية عن هؤلاء الأوروبيين المتورطين، ويقدمهم بوصفهم أشخاصا ذوي دوافع نبيلة: جلال (لعب دوره سام أوتو) يتبع خطوات أخيه الذي سبقه إلى الرقّة وقتل فيها، صديقه المقرّب زياد (لعب دوره ريان ماكين) الذي يريد مرافقة صديقه في هذه (المغامرة)، والطبيبة والأم العزباء شاكيرا (أوني يوهيرا)- التي تحضر معها ابنها ذي التسع سنوات – و تريد وضع خبراتها المهنيّة في خدمة الدولة الإسلاميّة وأوشنا (شافاني كاميرون) الصبيّة الباحثة عن علاقة حب رومانسيّة مع مجاهد متخيّل لتكون لبؤة بين الأسود مع تجاهل مزعج لماهية الأجواء التي شكلت عقولاً بهذه السذاجة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين رغم أن (الدولة) يقدمهم كشخصيات قوية ومستقرة نفسيّاً وطبيعية بل وشديدة الجاذبيّة.
وحتى التحديات التي يواجهها هؤلاء لدى وصولهم تكاد تكون قضايا إنسانيّة عامة: جلال يتمثل بأخيه الشهيد الداعشي ويريد التفوق عليه في سرعة تفكيك وتجميع السلاح. شاكيرا وكأنها رسولة جندر نسوي تريد تحدي الواقع وتقديم صورة ممكنة لامراة تجمع بين كونها أماً عزباء وطبيبة ممارسة في ذات الوقت. أما زياد وأوشنا فهما كمن يسافر لمغامرةٍ في السفاري لتحدي الذات واكتشاف الممكن من خلال مغادرة العش الحميم.
يصل هؤلاء الملتحقون بداعش تهريباً عبر تركيا إلى نقطة قطع الحدود، وهناك يطلب إليهم المهرّب أن يطفئوا أضواءهم. لحظتها كان التوقع أن تكون تلك نقطة رمزيّة حاسمة عند غياب النور والسقوط في الظلمة. لكن ظلمة داعش عند كوسمينسكي جميلةٌ جميلة. فهناك ضمّات كثيرة للأخوة والأخوات لدى وصولهم إلى مقر الضيافة، وأجواء ناد صيفي في استقبالهم تملؤها مناخات الرفقة والتعاطف ، وأوقات صاخبة في بركة سباحة أولمبيّة، ومتعة استكشاف السلاح وحتمية الزواج للجميع، مع كثير من البراغماتيّة وقليل باهت من الأيديولوجيا الدينيّة. حتى السيّدة التي تتولى إدارة مركز الضيافة فهي تتحدث بلهجة أمريكيّة صافية وتبدو رائقة وحميمة وشديدة اللطافة – نقيضة تماماً للشخصية الموازية لها في مسلسل قصة أَمَة حيث دولة دينيّة كذلك – إذ تبدو رئيسة النساء هناك كامراة قاسية القلب، دميمة ومتحجرة الأفكار. بل إن مشهد سهرة العشاء النسائيّة يكاد يتفوق سحراً على أي سهرة نيويوركيّة دافئة بين الرفيقات حيث الضحكات والوجوه الأوروبيّة المتوردة مع الطعام والشراب والشموع.

داعش عند كوسمينسكي وكأنها إسرائيل جديدة

كوسمينسكي الذي كان أخرج عديد مسلسلات غاية الأهمية عن قضايا اجتماعيّة في قلب التاريخ السياسي البريطاني، بدا في (الدولة) وكأنه يعيد قصّة مسلسله الأشهر (الوعد – 2011) مع تلوينها بظلال داعشية لزوم المرحلة. فالوعد استعادة لأجواء الأيّام الأولى لقيام دولة إسرائيل – الدينيّة الأسطوريّة بدورها، وهو يحكي أيضاً قصة بريطانيتين تتركان حياتهما المستقرة في لندن لترحلا إلى دولة مستحدثة للالتحاق بمغامرة البحث عن الذات في مخاضات ولادة مشروع يوتوبي وتحت رفقة السلاح بجيش الدّفاع – الرومانسي.
التنوع في (الوعد) للجنسيات والشخصيات والمهارات هو ذاته داخل أجواء (الدولة) الداعشية المعولمة حيث شبان أوروبيون يجمعهم نزق الشباب وقلة الخبرة والطلّة البهية. وحتى عندما تُرتكب الفظائع وأعمال القتل باسم الأيديولوجيا – فإن أبطالنا يظهرون في (الوعد) كما في (الدّولة) أخلاقيين ومبدئيين لا يتقبلون الجانب الإنساني المحض لكل هذه القسوة – رغم أن تلك القسوة نتاج مباشر للمشروع السياسي وضرورة من أساسيات تكوينه. وهم يلتحقون بما يشبه مشروعاً اشتراكيّاً شموليّاً: لاتُدفع فيه إيجارات للمنازل ولا رسوم، وتُقدم كافة خدمات الإعاشة مجاناً، بل ويتم الحصول على مصروف شخصي فوراً لدى اكتساب جنسيّة (الدولة) الجديدة. وحتى خيبات أمل الأبطال بعد معايشتهم لحقيقة الأوضاع في اليوتوبيات المستحدثة تبدو شديدة التشابه داخل المسلسلين، وتُقدم على سوئها وكأنها آلالام الولادة التي لا بدّ منها.
الشيء الجديد الوحيد ربما في (الّدولة) هو استعارة كوسمينسكي لمشاهد الطقوس الرمزية ومشاهد الإعدامات والهتافات الدينيّة من مواد البروبوغاندا الداعشيّة المتوفرة بكثرة على مواقع التواصل الإجتماعي واليوتيوب – وإن بدت إنتاجات داعش الأصليّة أفضل إخراجاً وبمراحل من مشاهد (الدولة). قارن مثلاً مشهد طقس حرق جوازات السفر في الحلقة الأولى من (الدولة) مع ذات المشهد على الشبكة العنكبوتيّة.
لا يكتفي كوسمينسكي بتجميل الشخصيات المتورطة بالمشروع الجهمني المسمى داعش، بل هو يتجنب إظهار سفك الدماء أو مشاهد الإغتصاب، فيختصر من كل مشهد جزأه العنيف ويكتفي بتقديم ما قبل وما بعد انتهاء لحظات العنف.

مسلسل للتوعيّة أم للتعمِيّة

كوسمينسكي، وجوقته ومعهم القناة الرابعة قدّموا دفاعاً مريراً عن «الدّولة» الذي صار محط جدل عاصف داخل بريطانيا سواء في الصحافة أو على مواقع التواصل الإجتماعي بوصفه يستهدف إلقاء الضوء على خيبات الأمل والتحديات الوجوديّة التي يتعرض لها مجندو داعش الأوروبيون لدى وصولهم إلى أرض الخلافة، وربما تنبيه من قد لا يزال يفكر بالالتحاق بهذه الظاهرة إلى خطورة مآلاتها. لكن هذا الّدفاع لايزيد عن كونه منافحة تاجر فاشل عن زيته العكر.
رغم حرفية المسلسل تقنيّاً، فقد سقط كوسمينسكي في اختباره الداعشي، وبدلاً من أن يحاكِم التجربة ويقّدم لضحايا داعش الأوروبيين إجابات عن تساؤلاتهم الملحة ، انتهى بالتجربة وقد حاكَمَتهُ متهَماً بالتزوير والتلفيق وبيع بضائع الأيديولوجيا المغشوشة

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *