ven. Sep 25th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

من «أميرة القلوب» مروراً بقضايا العِرق و«ناجي العلي» إلى التّغيّرالمناخي… الأرقام لا تكذب: سر الشعبيّة المتزايدة للوثائقيّات

القدس العربي— ندى حطيط—

رغم أن الأفلام والبرامج الوثائقيّة قديمة قدم السينما وأكبر عمراً بعقود من شقيقتها الأصغر شاشة التلفزيون الفضيّة، فإنها لم تكن في معظم أيامها وإلى وقت قريب منافسة جادة للأعمال الدراميّة من أفلام ومسلسلات في حروب استقطاب المتلقين، وبقيت غالباً رهينة فضاءات الطبيعة والفنون والتاريخ والبروبوغاندا الفاقعة، التي تضطر الحكومات للإنفاق عليها من المال العام، وتُعرض غالباً في غير أوقات الذروة لأغراض ملىء فراغات البث بين البرامج الرئيسة.
لكن أرقام شركات الأبحاث التي تتابع أعداد المشاهدين بدأت تتحدث في الآونة الأخيرة عن اتجاه غير مسبوق لتزايد شعبيّة البرامج الوثائقيّة في معظم الأسواق الكبرى أقله غربا – حيث تتوفر كميّة هائلة من الخَيارات سواء في المواد المعروضة، أو من خلال قنوات التوزيع بين تقليديّة – سينما وتلفزيون -، أو حديثة – كتلفزيونات الكيبل ومنصات العرض على الإنترنت، هذا في الوقت الذي تعاني فيه هوليـوود من أسـوأ موسـم صيف لها على الإطـلاق منذ 25 عـاماً!

نجوم الوثائقيات سرقوا الأضواء من الدراما

في بريطانيا مثلاً، نجحت القناة الرابعة في كسر كل أرقامها القياسيّة السابقة بأعداد المشاهدين وتفوقت خلال أعلى ساعات وقت الذروة سهرة مساء الأحد على كل القنوات الرئيسة الأخرى حين عرضت فيلمها الوثائقي التلفزيوني عن» أميرة القلوب» المغدورة ديانا التي غادرت عالمنا قبل عشرين عاماً (ديانا بكلماتها – 2017 / 110 دقيقة)، والذي قدّم للمشاهدين مقاطع سجلتها الأميرة بينما كانت تتدرب على الإلقاء وتحدثت فيها عن أمور ومسائل حميمة، فأشعل حنين البريطانيين لأميرتهم الراحلة وأعاد طرح نظريات المؤامرة بشدة، وهي نظريات تتهم القصر الملكي بالتخلص من مشاغبات الأميرة المطلقة حينها، وتخلية السبيل لتقدّم الأمير تشارلز إلى عرش المملكة، الأمرالذي ألقى بظلال كثيفة على شخص الأمير ودفع باتجاه تولي الجيل الجديد – ممثلاً بإبني ديانا وليم وهاري مقاليد العرش عندما يحين أجل الملكة المحتوم -.
على الجانب الآخر من الأطلسي فازت ثلاثة أفلام سياسيّة بجوائز أوسكارالعام الماضي بما فيها (أو. جيه. : صنع في أمريكا – 2016 / 47 دقيقة) الذي يسرد مسيرة العنصريّة العرقيّة في الولايات المتحدة خلال الستين عاماً الماضية من خلال استعراض قصة سقوط النجم الأمريكي الأسود أو جيه سيمبسون، وهو فيلم وثائقي قال عنه النقاد إنه مشغول بحرفيّة، ويتفوّق بالتأكيد في قدرته من ناحية التشويق وانعطافات السرد على معظم الأفلام الدراميّة المعاصرة. وحديثاً عرضت الصالات الغربيّة فيلم المرشح الأمريكي السابق آل غور عن التغيّر المناخي ومفاوضات باريس (جزء ثان مزعج أيضاً: الحقيقة إلى أصحاب السلطة – 2017 / 100 دقيقة) في وقت تزامن مع قرار الرئيس ترامب الإنسحاب من تلك المعاهدة. عربيّاً، قدّم تلفزيون العربي فيلماً وثائقياً الأسبوع الماضي عن اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي (كنت هناك: اغتيال ناجي العلي – 2017 / 27 دقيقة) والذي أعاد فتح ملف تلك الجريمة النكراء بعد ثلاثين عاماً على حدوثها عام 1987، وتسبب في جدل واسع بين المشاهدين على مواقع التواصل الإجتماعي معيدا تقديم الفنان والإنسان والشهيد ناجي العلي إلى قلب الحدث العربي ومخيلة الجيل الجديد الذي ولد وكبر بعد تغييب العلي القسري، لا سيما وأنه بمرور الأيام تبدأ ذاكرة الشعوب في التداعي، وتبهت منها الألوان والتفاصيل، فكيف إذا كنا نتحدث عن أيقونة شعب يتعرض لهجمة كبرى تستهدف محو ذاكرته لمصلحة أساطير العابرين وشذاذ الآفاق.

قطة سنايدر.. «نيتيفلكس وشقيقاتها.. وعالم ما بعد الحقيقة

فما الذي يحدث فعلاً، ولماذا يتحوّل المشاهدون عن الأعمال الدراميّة الشديدة الإبهار، إلى وثائقيّات تتسم نسبيّاً بالهدوء، وتحاول تقديم نوع من حقيقة ما عبر عرض منطقي لا مكان فيه تقريباً للخدع التصويريّة أو تكنولوجيا التّحكم بالحركة؟
بيتر سادرمان الناقد المعروف في مجلة Slate يلوم في مقالة له من عام 2013 شخصاً محدداً في انفضاض الجمهور تدريجياً عن هوليوود لمصلحة الوثائقيّات. ذلك الشخص هو بليك سنايدر الذي وضع عام 2005 كتاب (أنقذ القطة) ليكون بمثابة دليل عمل مفصل عن منهجيّة كتابة سيناريوهات الأعمال الدراميّة، فتحوّل تدريجيّاً إلى ما يشبه كتاباً مقدساً يطبق (معادلاته) السواد الأعظم من كتاب السيناريو المعاصرين، على نحو خنق الإبداع وجعل دراما العشر سنوات الأخيرة تبدو مألوفة ومملة ويسهل توقع نهاياتها منذ الدقائق الأولى للعمل.
وعلى الرّغم من وجاهة نظريّة سادرمان هذه، فإن نقاداً آخرين يرون أن من تستحق اللوم هي مجموعة الشركات الطارئة على عالم الأعمال الفنيّة – نيتفليكس وشقيقاتها – التي نجحت في تغيير شكل تلقي المشاهدين للمنتجات الثقافيّة عموماً بعد عقود طويلة من تفرد الشاشتين الشقيقتين: السينما والتلفزيون، ووفرت للمشاهدين قليلاً من الأعمال الدراميّة الجديدة عبر الإنترنت مقابل عدد يكاد يكون غير محدود من الأعمال الوثائقيّة الممتازة قديمة وجديدة في آن، وهو ما ساهم في تراجع حصة وقت الدراما الكليّة من الأوقات التي يقضيها المشتركون في متابعة الخدمة لمصلحة الوثائقيّات.
الواقع أن الأسباب الفنية والتقنيّة هذه وغيرها تفسّر مسألة تصاعد شعبيّة الوثائقيّات على حساب الدراما بشكل جزئي فحسب، إذ أنه لا بدّ من استطلاع العوامل الكليّة التي تشكل الذائقة الجماهيريّة العامة في مجتمعاتنا المعاصرة، أقلّه صراعات امتلاك الحقيقة، وعمليّات خلق السرديّات البديلة والموازية والنقيضة، التي أدخلتنا في عالم ما بعد الحقيقة – عندما صارت (الحقيقة) نوعاً من ذوق خاص نأخذ ما يناسبنا منه، وندع ما لا يستساغ -. هذا إلى جانب أن سيرياليّة الوقائع في عالم ترامب وما بعد البريكست والربيع العربي الموهوم قد جعلت من الحقيقة أكثر غرابة من الخيال ذاته. ولعل ذلك يفسّر تراجع شعبيّة الموسم الجديد من المسلسل الأمريكي بيت من ورق (نيتفليكس – 2017) بعد أن فقد الرئيس المتخيّل فرانك أندروود وزوجته كلير القدرة على مفاجأة الجمهور بسلوكياتهم الشخصيّة منها أو السياسيّة مقارنة بالوقائع اليوميّة لمغامرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبقيّة العائلة على مسرح الأحداث في العالم والتي تكاد تفوق العبث أحياناً.

لغة تجمع ولهجات تُفرِق

على أن تلك النزعة الجماهيريّة نحو الوثائقيّات لا تعني بالضرورة رفع مستوى الوعي العام بالقضايا المطروحة، إذ يقول خبراء علم النفس أن البشر في عمومهم عندما يشاهدون أعمالا وثائقيّة فإنهم يختارون حصراً أعمالاً تتفق رسالتها مع أفكارهم السياسيّة وتوجهاتهم الأيديولوجيّة دون تلك الأعمال التي تقدّم فكراً نقيضاً. فالمشاهد الذي سيذهب إلى السينما أو يدفع اشتراكاً أو رسماً إضافيّاً على الإنترنت لمشاهدة فيلم آل غور مثلاً، فإنه غالباً ليس من الطرف الذي يعتقد أن التغيير المناخي ما هو إلا أسطورة متخيّلة يسوّقها اليساريون وأحزاب الخضر لتحقيق مكاسب سياسيّة دون كبير تدقيق في صحة ادعاءاتها. وعليه فلن تكون المادة الوثائقيّة حينها بقادرة على إضافة الكثير لمعارف الأتباع المقتنعين أصلاً. فالأمر -حسب خبراء علم النفس – يتعلق بمناخ عام يدفع بنا للتخندق في أفكارنا المسبقّة، بدلا من أن يفتح لنا فضاءات لتوسيع آفاقنا والخروج من كهوفنا المكدسة بالسواد.
بالفعل فإنه يبدو لا مكان هناك لعمل فني محايد، إذ أن الإبداع – بأشكاله – عمل سياسي بالنهاية. لكن بالتأكيد أن نستهلك جميعنا ذات الكأس المؤدجلة – وإن كانت دراما أمريكيّة مملة شيئاً ما بسبب قط بليك سنايدر المشاغب – فذلك خير وأبقى من أن ينعزل كل منا في شرنقة وثائقياته مع رفاق يشبهوننا كتوائم، لنشحذ وراء متاريسنا المتخيّلة أدوات العداوة ضد كل آخرٍ مختلف عنا. الدّراما كأنها لغتنا المشتركة التي تجمع ، بينما الوثائقيّات لهجات محليّة جهويّة تُفرِق ما لم يكسر منتجوها خضوعهم المذّل للطبقات المهيمنة، ويعيدوا صياغة مفهموم (صناعة الحقيقة) على نحو مغاير تماماً، وتلك مهمّة تبدو بشكل متزايد و يوماً بعد يوم أشبه بسراب خادع.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *