jeu. Déc 3rd, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

هل اصبحت الضاحية الجنوبية غريبة على ابنائها؟

 

محمد عاصي —

في سني المراهقة كنا لا نزال نقطن في منطقة المعمورة في ضاحية بيروت الجنوبية. كانت البساتين لا تزال تزين الناظر اليها بألوانها الجميلة . بساتين تنوعت من التوت الى الليمون الى البوصفير الذي هو أحد أنواع الليمون.كان اريج الزهر يفوح في المكان . وكنا مع اولاد الحي نتراكض بين شجيراته المبعثرة في تلك المنطقة نبحث احيانا عن افياء نتظلل بها من الشمس.كان الوقت لفرحتنا يمر سريعا ولم نكن نشعر بثقل الحياة ولا بوطأة البشر. قامت الحرب هناك وجلبت معها كل ايامها السود . الكثير من احباب اهل المنطقة وفي المريجة تحديدا باعدت الحرب بيننا وبينهم.ولا زلت اتذكر صديقا لي كنا نقصده دوما لاكل ثمار التوت. غاب مع الحرب ولم يعد مع افولها.وبعد انقشاع هذه الغيمة المرة نحن عدنا من منفانا القسري في جنوب لبنان وهو لم يعد . لكن كان قد تغير الحال كثيرا . فقد مس الحزن المكان . واصبح اشبه بغابة وفوضى غريبة . ماتت شجيرات التوت وانسحقت بساتين الليمون وبدأ عصر زحف الاسمنت . ولم يبق من اريج الزهر الا ذكرى قديمة تحتل مكانها في الوجدان. سنوات عديدة مرت على ضاحية بيروت الجنوبية تغير الكثير فيها . لقد اصبحت تعج بالمباني الاسمنتية . قلة منها تتمتع بالجمال والغالبية تعشعش فيها المخالفات . من كان يملك منزلا وجنينة صغيرة قام مكانها مبنى كبيرا بعد رحيل الزاهدين من كبار السن من ملاكيها . فأطماع التجار والابناء كانت اقوى من البلديات وابعد من احلام الناس . مناطق كثيرة اصابها التشوه وتداخلت مع بعضها الازقة والاحياء حتى اصبحت مثالا للتعبير عن شناعة المنظر . لم يعد ثمة شجيرات الا القليل منها واندثرت اي مساحة خضراء كانت باقية للناس . حتى نظر المرء يكاد لا يبعد سوى امتار قليلة حتى يصطدم بالجدران الاسمنتية التي نبتت كالفطريات بينما الكثير من المناطق والشوارع يتسلل اليها النور تسللا خجولا. ليس الحال افضل مع الطرقات . استذكر عندما كنا نذهب الى المدرسة من المريجة الى حارة حريك سيرا على الاقدام. لم نكن نشعر بتعب او وهن بل كنا كأننا كنا نمشي فوق الارض او تكاد تطوى تحت اقدامنا . كنا نشعر بالاشياء شعورا مختلفا عن اليوم ونحس في ملمسها كأنه الجمال والصفاء .  لكن اليوم تغير المشهد كثيرا . الناس متروكة لاقدارها . اعتادوا وتأقلمو مع العادات السيئة حتى اندمجوا فيها. لا نتحدث عن الماء والكهرباء فلها بدائل وان كانت مبتورة ولا عن سلطة القانون فتلك رفاهية غائبة . شريعة الغابة تبدو هي الحاكمة . يكفي للناظر ان يرى منذ الصباح السيارات تهتاج عند كل تقاطع ومنعطف . اصوات وزمامير وتزاحم وتكاسر . ولكن على من نلقي مزاميرنا فكل واحد يريد ان يلوذ بنفسه فلا قانون او اشارة او شرطة بلدية له مكان في قاموس هذه اليوميات. الاقوى هو من يمر اولا من يصل اولا من يتخطى هذا الجنون الصباحي . لا مكان هنا لشعارات القيادة ذوق واخلاق. هذه نظريات لا تعرفها الكثير من الشوارع .  واذا اخترنا السير مشيا نخاف ان يجرفنا فان او موتوسيكل . هؤلاء اصبحوا ملوك الارض الفعليين . نمشي نتعوذ ونطلب السترة منهم. كما لا مكان للسير على الارصفة فهذه ليس موجودة الا ما ندر . وما ندر منها اما متيجر هنا او قهيوة هناك. لقد اصبحت الضاحية غريبة حتى على ابنائها ومن اقتدر منهم انتقل الى مكان اخر او هو يفكر في ذلك . لم يعد ثمة وفاء لاصلاح شأنها فتركها من بنوا امجادهم عليها. لم تعد الكثير من مناطق الضاحية تشبهنا كما لم نعد نبشهها وما بيننا ذكريات من الزمن الجميل

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *