mer. Sep 23rd, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

شعب لبنان العظيم نموذج يحتذى به ….

 

 

      كلمة الدكتور فيليب حتي  —  ألقيت في محاضرة بواشنطن   

نجتمع كلنا هنا اليوم ليس لأننا نحب بلادنا وحسب، إنما أيضاً لأننا نهتم لأمرها. ركّز المؤتمر، خلال اليومَين المنصرمين، على صناعة مستقبل لبنان. وأتحدّث الآن في الفاعليات الختامية لأجيب عن هذين السؤالَين، لماذا دعمُ لبنان مهم؟ ولماذا أعتزّ بلبنانيّتي؟

 

ندرك جميعنا الأمراض والعِلَل التي يتخبّط فيها المشهد السياسي في لبنان، والعوائق التي تحول دون بناء دولة قوية. ونعي أيضاً حجم الفساد الهائل الذي يشلّ الحكومة والمؤسسات التابعة للدولة. لكن لبنان لن يفنى أبداً. إنه يأبى الفناء. ولروحه الفضل في ذلك. هذه الروح هي جوهر لبنان، إنها أزليةٌ خالدة. هذه الروح هي التي تصنع هويتكم كلبنانيين، ويجدر بكم أن تشعروا بالفخر والاعتزاز للأسباب الآتية

 أنتم تنتمون إلى شعبٍ شيّد في الماضي مدناً عظيمة مثل بيبلوس وصيدا وصور وبعلبك، وأسّس حضارةً عظيمة عندما لم تكن هناك حضارةٌ في أوروبا والغرب. كان شعبكم يفرض سيطرته، في مرحلة من المراحل، على البحر المتوسط، وبنى مستعمرات على شواطئه. لقد أدّى شعبكم دوراً محورياً في تطوير الأبجدية التي هي الأداة الأساسية لنمو الحضارة البشرية.

 أنتم تنتمون إلى شعبٍ بنى، في بلدان الاغتراب، حضارات العالم. أينما ذهب اللبنانيون، انكبّوا على البناء والعمران. لم تقترف أيديهم أي دمار. لا بل ساهموا في إعلاء البنيان. لم يعرفوا الانكفاء مطلقاً. أينما ذهبوا، اندمجوا في مجتمعاتهم وأبدوا امتنانهم للبلدان التي احتضنتهم. هنا في أميركا، لم نقدّم مساهمات لهذه البلاد وحسب، بل للعالم بأسره. لم يبتكر مايكل دبغي عملياته الجراحية في القلب للمرضى الأميركيين فقط، بل لجميع المرضى في العالم. ولم يبنِ داني توماس مستشفى سانت جود في ممفيس في ولاية تينيسي للأطفال الأميركيين وحسب، إنما أيضاً لجميع الأطفال في العالم. سانت جود هو الآن المستشفى الأول في العالم لمعالجة الأطفال المصابين بالسرطان. ويقدّم المستشفى اللبناني/السوري في ساو باولو البرنامج الأفضل للعلاج والبحوث المتعلقة بالسرطان في أميركا اللاتينية بأسرها. لم يكتب جبران خليل جبران للأميركيين واللبنانيين وحسب، إنما للبشرية جمعاء. لطالما كانت رسالة لبنان، ورسالة اللبنانيين في بلدان الاغتراب، عالمية.

 أربعون عاماً من الحروب ولم ترتفع جدرانٌ بين الجماعات الدينية المختلفة التي تتشارك البلاد. لم يحصل تطهير إثني. أربعون عاماً من الحروب ولا يزال اللبنانيون يحتضنون بعضهم بعضاً. تستمر المسيحية في معانقة الإسلام. لقد صمدت التعددية الثقافية، ولا تزال تنمو وتزدهر.

 أربعون عاماً من الحروب، ولا نجد متسوّلاً لبنانياً واحداً في شوارع لاس فيغاس أو نيويورك أو لندن أو باريس أو دمشق. أربعون عاماً من الحروب، ولا نجد لاجئاً لبنانياً واحداً يعيش في خيمة ويقتات من المساعدات التي تقدّمها إليه الأمم المتحدة. أن تكون لبنانياً يعني أنك تنتمي إلى شعبٍ يتمتع بالكرامة والإباء. علينا أن نذكّر العالم دائماً بأن لبنان يأخذ على عاتقه أكثر من مليونَي لاجئ، في حين أن العالم لا يأخذ على عاتقه لاجئاً لبنانياً واحداً.

 أربعون عاماً من الحروب، ولا يزال اقتصادنا راسخاً ومتيناً. الشقّة السكنية في العاصمة بيروت أغلى ثمناً بقليل من الشقق ذات المواصفات المشابهة في هيوستن. يبقى الاقتصاد قوياً بفضل المساهمات من المغتربين اللبنانيين، وكذلك بفضل النسيج الفريد من نوعه للأسرة اللبنانية. في الثقافة التي نشأنا عليها، لا يترك الأخ أخاه في براثن الفقر من دون أن يمدّ إليه يد العون.

 أربعون عاماً من الحروب وحمامات الدماء والمعاناة الشديدة، ومع ذلك يبقى لبنان عاصمة الفرح في العالم العربي. لم تتمكّن الحروب من القضاء على حبنا للحياة؛ ولم ينجح اليأس والإحباط في إخماد شعلة الأمل.

. لبنان أرضٌ مميزة جداً تربض بروعةٍ بين البحر المتوسط بلونه الأزرق والصحراء العربية بلونها الأصفر. جبالٌ خلاّبة تنساب رويداً رويداً نحو البحر. قرى وبلدات مبعثرة هنا وهناك. قرى عاش فيها آباؤنا وأجدادنا. في تلك القرى عائلاتٌ تخلد للنوم يومياً وهي تحلم بأن ترانا من جديد. إنها الأرض الوحيدة في العالم التي هي حقاً أرضنا.

قال جبران خليل جبران: “لكم لبنانكم ولي لبناني”. أفهمه تماماً وأشاركه رؤيته هذه. كان “لبنانهم” مختلفاً عن لبنانه. لكن يقع على عاتقنا الآن أن نجعل لبنانهم لبناننا، وأن نجعل هذين اللبنانَين واحداً؛ لبناناً نستطيع جميعنا أن نعتزّ به. لا بد لي من أن أذكّركم بأن الحرب كانت مسؤوليتنا. والآن بناء السلام والازدهار هو مسؤوليتنا. غنيٌّ عن القول بأنه يجدر بنا أن نعرب عن ولائنا للبلدان التي احتضنتنا. نحن اللبنانيين لم نكن يوماً جاحدين. إنما علينا في الوقت نفسه أن نُظهر امتناننا لبلادنا وآبائنا وأجدادنا، يجب أن نكون ممتنّين للبنان. الولاء للبلد الذي تبنّانا واحتضننا لا يمنع أن نحتفظ في قلبنا أيضاً بالولاء لوطننا الأم. علينا أن نتعلّم أيضاً من المهاجرين الآخرين كيف نتساعد ويقدّم واحدنا الدعم للآخر، وكيف نستعيد التواصل مع جذورنا. أشارككم بشدّة خيبة أملكم من السياسة في لبنان، وعدم ثقتكم بالسياسيين، إنما لا يجدر بنا أبداً أن نسمح لليأس والإحباط بالتغلّب علينا. تشرق الشمس دائماً بعد ظلام الليل الحالك.

ختاماً، أودّ أن أقول إنني شديد الاعتزاز بلبنانيتي. فليكن شعارنا: لبنان، ستبقى دائماً في قلبي، وسأكون ابناً بارّاً لك ما حييت

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *