mer. Sep 30th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

بين كرة الثلج الفلسطينية ونهاية الكيان الصهيوني

فيصل جلول — الميادين — بوسعنا القول إن كرة الثلج قد انطلقت بقوّة. يبقى خط سيرها واستقرارها النهائي وهنا تبدو الاحتمالات مفتوحة. وأولها أن تقطع الولايات المتحدة الأميركية الطريق على التحرّك بالتراجُع عن القرار عبر تجميد تطبيقه كما كانت عليه الحال من قبل، وذلك بضغط من حلفائها العرب والمسلمين والأوروبيين وهذا الاحتمال وارد لأن ترامب تراجع من قبل عن قرارات أخرى وانصاع للضغوط

دفعَ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقْل السفارة الأميركية إليها باتجاه تجميد الخلافات المُستعصية في صفوف المسلمين والعرب. في لبنان وهو البلد الأصعب في محيطه، يتقارب الموقف الرافِض للقرار الأميركي في صفوف 14 و8 آذار وذلك إلى حد أن وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل وظَّف هذه اللحظة خير توظيف، وألقى خطاباً تاريخياً في اجتماع الجامعة العربية الأخير وصل فيه إلى أقاصي العداء مع الدولة اليهودية الأمر الذي كان من الصعب تخيّله قبل  صدور القرار.

وفي فلسطين المُنقسِمة بين حماس وفتح منذ سنين طوال، بدا الرئيس محمود عباس خلال قمّة اسطنبول الإسلامية وكأنه رضعَ حليب السِباع، فألقى خطاباً يشبه في بعض فقراته لغة إسماعيل هنيّة عندما حذَّر اليهود بالقول”إن أردتموها حرباً دينية فلتكن دينية” ولفتهم إلى وجوب عدم الاعتماد على المملكة العربية السعودية لأنها “لن تقف معكم” على حد تعبيره. ولعلّ تشدّد الرئيس الفلسطيني اللفظيّ ـــــ على الأقل ــــــ تجاه القرار الأميركي، يضع كل فلسطينيي الضفة والقطاع وأراضي النكبة والشتات في وجهة واحدة، لأنه ببساطة أطاح باتفاق أوسلو وبالحلّ التفاوضي ووضع السلطة الفلسطينية أمام خيارين: إما حل نفسها والاستقالة وإما الاصطفاف في المواجهة وربما في المجابهة، وبالتالي الوقوف إلى جانب التيار المُقاتِل؛ هذا إذا أردنا إهمال الجانب المُتّصل بالسعودية في خطاب محمود عباس أمام القمّة الإسلامية والذي أكّد فيه أن الرياض تقف إلى جانبه أي إلى جانب خيار المواجهة.

وعلى الصعيد العربي بدا القرار الأميركي وكأنه جرّد المملكة العربية السعودية من هامش المناورة تماماً. فباتت لا تستطيع تسويق معادلة التطبيع مقابل الدولتين، مع التحذير بلسان محمود عباس بالحرب الدينية، وقد لاحظنا أن عدداً من المشايخ السعوديين التحريضيين في الحرب السورية التزم الصمت والبعض الآخر ينشر فتاوى حول الجوارب… أضف إلى ذلك فشل تجربة الوفد البحريني المُطبِّع في إسرائيل والتي بيّنت إلى أيّ حد يمكن لسوء التقدير أن يدفع بمبادرة سيِّئة تُثير الغضب العربي والفلسطيني العارِم خلال الأيام (المضطرمة).

وما عاد بوسع المملكة العربية السعودية أن تفرض على العالم العربي أجندة الصراع مع إيران بوصفها أولوية متقدّمة على القدس، بعد أن فرض حليفها الأميركي أولوية الملف الفلسطيني على العالم بأسره. ولعلّ هذا أضعف الحصار السعودي على قطر التي تواصل دعم التيار الجهادي الفلسطيني، وأتاح فضاء أوسع لتيار المقاومة والمُمانعة للإمساك بزمام المبادرة، الأمر الذي بدا جليّاً في خطاب السيّد حسن نصرالله الأخير الذي تحدَّث فيه باسم التيار المُقاوِم بكافة مكوّناته بطريقة غير مسبوقة.

والواضح أن هذا التيار سيستفيد من الآن فصاعداً من تراجع المدّ المذهبي بين المسلمين الذين وضعهم ترامب في موقع واحد بمواجهة مصير القدس.

 يُملي ما سبق سؤالاً مركزياً حول مدى المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حول هذا القرار وإلى أين يمكن أن تصل، وهل يبقى العرب والمسلمون موحَّدين بفعل الضرورة في خندق واحد دفاعاً عن القدس؟

إذا ماعدنا إلى آخر خطاب للسيّد حسن نصرالله، نحسب أنه يُراهن على ما يشبه استراتيجية كرة الثلج للإطاحة بالقرار الأميركي. فالكرة تنحدر من الأعلى صغيرة لتصل إلى السفح ضخمة هائلة يصعب اعتراضها. وقد أشار السيّد إلى أهمية التحرّك الفلسطيني في هذا الإطار بل اعتبره حاسماً. منه تبدأ كرة الثلج وتكبر عربياً وإسلامياً، وإن تمّ ذلك فالأمر يتجاوز قرار ترامب ليصبح “بداية النهاية للكيان الصهيوني” على حد تعبيره.

إن المؤشّرات الأولية على التحرّك الفلسطيني والمواكبات العربية والإسلامية تشير بوضوح إلى أن رهان السيّد نصرالله يتعدّى التمنّي وهو تحصيل حاصل بالنسبة إليه. فالزُخم الذي شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية يفصح عن استعداد فلسطيني شعبي للتضحية مُجدّداً في المواجهة مع الاحتلال بما يشبه زُخم الانتفاضة الأولى في العام 1987 من القرن الماضي. ومن غير المُستبعَد أن يكون أطفال الانتفاضة الأولى هم اليوم قادة الانتفاضة الراهنة.

وتفيد المؤشّرات الأولى أيضاً في ردود الفعل العربية والإسلامية إنها لا تقلّ زُخماً عن تلك التي رافقت انتفاضة القرن الماضي، وإن كانت تتم اليوم بفعل الضرورة في قسم ٍوافِر منها وليس بالاختيار كما في الماضي، عِلماً أن الأصل في التحرّك هو الشعب الفلسطيني دائماً وأبداً.

بوسعنا القول إن كرة الثلج قد انطلقت بقوّة. يبقى خط سيرها واستقرارها النهائي وهنا تبدو الاحتمالات مفتوحة. وأولها أن تقطع الولايات المتحدة الأميركية الطريق على التحرّك بالتراجُع عن القرار عبر تجميد تطبيقه كما كانت عليه الحال من قبل، وذلك بضغط من حلفائها العرب والمسلمين والأوروبيين وهذا الاحتمال وارد لأن ترامب تراجع من قبل عن قرارات أخرى وانصاع للضغوط. والاحتمال الثاني يكمن في الرهان على الوقت حتى إذا ما تعب المعنيون بالمواجهات وعادت الانقسامات إلى السطح مجدّداً يصبح القرار نافِذاً ويخسر العرب القدس بلا حرب.

والاحتمال الثالث ينطوي على ازدياد وتيرة التحرّك وتضخّم كرة الثلج وفي السياق، اندلاع حروب صغيرة هنا وهناك تتحوَّل إلى حرب ٍشاملة قد تكون هذه المرة أبعد من قرار القدس بل ربما تؤشّر كما قال السيّد نصرالله إلى بداية النهاية للكيان الصهيوني في المنطقة.

من الصعب الحُكم على المدى الذي يمكن أن تصل إليه كرة الثلج الفلسطينية وفق الاحتمالات التي أشرنا إليها عِلماً أن الغالِب في تجارب كرات الثلج إنها لا تتبدّد في منتصف الطريق.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *