sam. Sep 19th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

عهد التميمي أكوانٌ من عِزّة بين سرديتين… ووزيرة الثقافة الإسرائيلية تحجب عنّا فوكسنوت

ندى حطيط —  القدس العربي —  فرضت شجاعة الأيقونة الفلسطينيّة عهد التميمي في مواجهة جنود الاحتلال الإسرائيلي نفسها على الإعلام العالمي بأشكاله المكتوبة والمرئيّة، وأصبح مشهد محاججتها الواثقة جهة جنديين إسرائيليين كانا يتهجمان على بيتها وأسرتها، وكذلك الصفعة التي وجهتها لأحدهما من أكثر مقاطع الفيديو انتشاراً، سواء في نشرات الأخبار التلفزيونيّة أو على مواقع التواصل الاجتماعي وتفاوتت التعليقات في الإعلام والميديا العالميّة حول هذه البطلة المدهشة والتي بدت بين معسكرين، كل منهما يقرأ سرديّة عهد التميمي على نحو مختلف تماماً عن الجانب الآخر. الإسرائيليّون ووسائل الإعلام والشاشات الغربيّة التي سارت في ركابهم اعتبروا أن التميمي أهانت هيبة رمز يمثّل الدّولة العبريّة وأن الجندي (البطل) تجنّب معاقبتها فوريّاً وتصرّف بحرفيّة عندما تمسّك بضبط النّفس رغم كونها مراهقة منفلتة ومستفِزّة تمثل عنف الفلسطينيين وإرهابهم، وأنّها نفسها ضحيّة عائلة تدفع بها لمواجهة جنود الاحتلال أمام الكاميرات كنوع من البروباغاندا ضد الدّولة العبريّة.  وللأسف فإن حوائط التواصل الاجتماعي كشفت عن جيوب في العالم العربي انتصرت للسرديّة الإسرائيليّة تلك وتضامنت معها في انتقاد سلوك الصبيّة الباسلة من جهة شعرها الأشقر المتدفق ولبسها (الغربي) الطبع وعلى اعتبار أن قيم المجتمع المحافظ لا تقبل البنات في خطّ مواجهة مباشرة مع جنود الاحتلال. وأمعن بعضهم في الكيد ضدّها متهمين الإعلام الغربي بالنفاق بتبني عهد تحديداً بزرقة عينيها وطريقة لبسها التي تحاكي مظهر الغربيّات بينما يهمل ذات الإعلام صور بطلات فلسطينيّات أخريات يرتدين الحجاب، أو لا يتمتعن بالوجه الأوروبي الملامح كما تبدو التميمي في صورها الأيقونيّة.  في المقابل فإن السرديّة الشعبيّة الفلسطينيّة وقوّة الصورة الهائلة ذاتها وصلت أيضاً إلى عدد – ولو أقل – من الشاشات العالميّة، وغزت عوالم التواصل الاجتماعي بكثافة مشهودة صوّرت التميمي كما وجهٍ نبي جديدٍ ساحرٍ للمقاومة يرمز لمواجهة فلسطينيّة دائمة وشّجاعة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في النضال من أجل الحريّة وحماية الأرض، وأن هنالك خطرٌ داهم على الدّولة العبريّة من تحوّل التميمي إلى ما يشبه (جان دارك) فلسطينيّة تشعل أجواء عداء ورفض لنتاجات المشروع الصّهيوني على نطاق عالمي واسع

سرديّات متفاوتة وتأويلات للصورة

التلفزيونات الغربيّة تحديداً عكست في تغطيتها تفاوتاً و تردداً بين السّرديتين. فلا شك أن ثقافة العالم الغربي حريصة في غالبها على المشاعر الإسرائيليّة وتجتهد كي لا تثير حنق سلطات الدّولة العبريّة التي لا تتدخر وسعاً في ضمان استمرار هيمنتها على شكل ومحتوى السردّية التي تعرضها وسائل الإعلام العالميّة بشأن الصرّاع الفلسطيني – الإسرائيلي المستمر منذ عدة عقود ولذا انحازت معظم القنوات الأمريكيّة والألمانيّة إلى الرواية العبريّة بينما التبس موقف مؤسسات إخباريّة ضخمة أخرى مثل ال بي بي سي البريطانيّة التي قُبِضَ عليها تحاول الظّهور بمنظر المراقب المحايد – مع ميلٍ إلى الرّواية العبريّة – مشيرة إلى أن قضيّة التميمي تعبّر عن صراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على امتلاك السرديّة من خلال تأويل الصورة وترويجها للرأي العام العالمي، وهو ادعاء غير مقبول على الأقل لناحية مساواة الجهد الإعلامي بين (إسرائيل) والفلسطينيين.  جلال مشهد يد الكرامة وأصابع الشرف وهو يصفع وجه المحتلّ وإن فرض وجوده كخبرٍ على الجميع، فإن تحليلاته في إعلام الغرب اتسمت بالخبث ملقية اللوم على الفلسطينيين الذين يغسلون عقول أطفالهم بغرض توظيفهم في أعمال عدائيّة. فقد عرض تلفزيون ألماني مشاهد فيديو للتميمي وهي تدعو كل فلسطيني لأن يقوم بشيء ما لتحرير الأرض، إما عن طريق الطعن بالسكين أو العمليات الانتحارية أو رمي الحجارة جاهدين إلى بروَزَةِ صوّره الخبر الألماني عن العنف الفلسطيني ضد الإسرائيليين – المسالمين -. واستقبلت قنوات تلفزيونيّة أمريكيّة أعضاء في الكنيست الإسرائيلي اعتبر أحدهم – مايكل أورين وهو سفير إسرائيلي سابق لدى الولايات المتحدة – أن عائلة التميمي عائلة وهميّة، وأنّها ليست إلا خدعة تسويق فلسطينيّة للإساءة لإسرائيل، بينما علقت إعلاميّة ألمانيّة بقولها «ليس غريبا أن لا يعرف الأطفال الفلسطينيون كالتميمي إلا وجها واحدا للحقيقة، فمن ناحية ليس هناك مجال للشك بأن أطفال الضفة الغربية يكبرون في ظروف خاصة، إذ عليهم اجتياز المعابر العسكرية والدخول في احتكاكات يومية مباشرة مع الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، ولكن من ناحية أخرى فإنهم يُوظفون كأداة في يد الدّعاية الفلسطينية لتأجيج الصور العدائية لإسرائيل»، كل ذلك مع إغفال تام مقصود لحقيقة أن جنود جيش الدّفاع الإسرائيلي كانوا أطلقوا نيرانهم صبيحة ذلك اليوم فأصابوا ابن عم الفتاة البالغ من العمر 14 عاماً في الرأس، وأن القرية – النبي صالح – كانت كلّها على وشك الانفجار قهراً واشتبكت مع الجنود الإسرائيليين.  غائبون ومتغيبون كثر أبرزهم الحركات النسويّة الغربيّة وفي المقابل تردد عبر أثير الفضاء الإعلامي العالمي – خارج أجواء العمى الأمريكي / الأوروبي – بضع أصوات خافتة كتلفزيون روسيا اليوم والتلفزيون الفنزويلي وعدد محدود من الشاشات العربيّة نددّت بالاحتلال وبسياسات الحكومة الإسرائيلية عموما بشأن عدم احترام القانون الدولي واستهداف الأحداث دون السن القانونيّة بالقتل والتنكيل والاعتقال والمحاكمات العسكريّة، وهي أمور تتنافى مع كل منطق مهما بلغ الانحياز، وإن لم تؤيد جميع تلك الشاشات صراحة نضال الفلسطينيين المشروع بكل أشكاله لاستعادة أرضه وحقوقه المسلوبة . وأيضاً كان مخزياً وغير مبرر وغير مفهوم غياب الجمعيات النسوية الغربيّة تحديداً والتي تصدّع الرؤوس بالدعوة للحريات والدفاع عن نماذج نسوية تمثل القيم الغربيّة في قلب المجتمعات المسلمة والترويج لها بوصفها نجوماً تُحاكى، بينما اختفين جميعهن في جحورهن عندما لمع نجم بطلتنا الصغيرة حجماً الكبيرة شرفاً وكأنها أكوان من عزّة.

صورة عهد وصورة غاندي

كيف يمكن تفسير هذا السلوك المنافق من قبل أدعياء الليبرالية والحريّة وحقوق الإنسان؟ إنها دون شك حرب إدارة السرديّات. فصورة فتاة عزلاء تواجه جندياً مدججاً بالسلاح لا شك خطر داهم على صورة الكيان في المخيال الجمعي والرأي العام العالمي، وهي تركيبة لا يمكنها إلا إثارة العواطف، لا سيما وأن تلك الرسولة الشقراء بعينيها الآتية من موج البحر وشعرها المنفلت كما ثورة مشتعلة لا تتطابق والصورة التي لدينا عن الفلسطينيين، وبالتالي فإن إمكانية أن يتأثر بها الغربيون كبيرة جداً على حد تعبير أحد الناشطين في جمعية يساريّة فرنسية متضامنة مع الفلسطينيين نقلته عنه قناة «فرانس 24 « الفرنسية.
بل وتحدث خبير إعلام مرئي لتلفزيون دانماركي عن الإمكانات الهائلة التي تحملها صورة عهد كأيقونة نضال فلسطيني مرشحة لتصل إلى قيمة صورة غاندي في نضال استقلال الهند
وقد أخرجت هذه الإمكانيّة المدججة بالاشتعال كما البركان الفنان الإيرلندي العجوز جيم فيتزباتريك صاحب الرسم الأيقوني الأشهر لتشي جيفارا – قبل أكثر من خمسين عاماَ – من عزلته ليرسمها وهي ترفع علم فلسطين ويكتب «هناك امرأة خارقة حقاً» – إشارة إلى جندية جيش الدّفاع الإسرائيلي وملكة جمال إسرائيل غال غادوت التي أسندت إليها هوليوود دور امرأة بطلة خارقة.

عند الإسرائيلي: إدارة السرديّة نصف المعركة

الإسرائيليون بالطبع أكثر فطنة من أن يسمحوا لأسطورة التميمي بأن تكبر وتمشي على ساقين، وهم المعروفون كخبراء السرديّات الملفقة عبر التاريخ. ولم يكن مفاجئاً في هذا السّياق أن تمارس الدّولة العبريّة ضغوطاً سريّة شديدة على الحكومات ومؤسسات الإعلام – المرئي بشكل خاص – لمنع تسرّب أيّة مواد قد تتناقض محتوياتها مع السّرديّة العبريّة بأي شكل، ولذا رأينا السلطات البريطانيّة تمنع حملة إعلانات عامة في محطات القطار حاولت القيام بها جهات متعاطفة مع التميمي، وأقدمت سنغافورة في خطوة نادرة على منع عرض فيلم وثائقي لصانع أفلام أمريكي أنتجه عن التميمي وزميلة لها في مهرجان للسينما هناك بحجة أن الفيلم لا يقدّم صورة متوازنة عن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.  وهذا ليس حديث مؤامرات وكواليس كما قد يحلو للبعض وصفه كلّما تحدثنا عن العناية المطلقة التي تبديها الدّولة العبريّة لإدارة السرديّات في مجال الإعلام المرئي تحديداً. فبالأمس القريب أعلنت وزيرة الثقافة الإسرائيليّة عن مقاطعة الدّولة العبريّة لمهرجان أفلام فرنسي ضخم بعد إخفاق جهودها السريّة فيما يبدو في ثني القائمين على العروض بسحب عمل تلفزيوني درامي جديد اسمه «فوكسنوت» يصوّر جنود جيش الاحتلال بأنهم يقتلون المراهقين الفلسطينيين بلا رحمة ثم يحاولون التغطية على جرائمهم – وهو الأمر الذي يكاد يحدث يوميّاً في الأراضي المحتلّة -. وبحسب الوزيرة، فإن هذا العمل الدّرامي يسيء إلى الصورة الحضارية لجيش الدّفاع الإسرائيلي وأنها ستسعى لمقاطعة المهرجان على أوسع نطاق.  ألأيقونة بشعرِها البارق كما الرصاص، وجسدها الغاضب وكأن لحمه جسر العودة، وكتفيها الصغيرتين اللتين تشيلان حمولة وطن – عهد التميمي – ما زالت هناك كما شجرة نخيل، كما جبل شامخ في وجه السجن العبراني والسجان العاهر، لكنها كما أي أيقونة أخرى إن لم تحملها قلوب المؤمنين بها صارت لوحة مهجورة في كنيسة يكاد لا يزورها أحد. لا تُسقطوا هذي الأيقونة من يدنا، لا تُسقطوا هذي الأيقونة من يدنا

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *