dim. Sep 20th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

من غلاف غزّة إلى ملك اسكتلندا مروراً باستعراض “كاراكاس” الصّورة التلفزيونيّة سلاح نوعيّ

 ندى حطيط – القدس العربي – وقف العالم كله هذا الأسبوع على قدمٍ واحدة، مشدوهاً بقدرة غزّة، مدينة فلسطينيي البحر الفقيرة المحاصرة على التصدي لقوات الاحتلال الاسرائيلي وفرضها بحكم الواقع الموضوعي نوعاً من وقف إطلاق للنار تسبب بأزمة داخليّة للكيان العبري، وبدأت تداعياته، كما زلزال أصابه من حيث لا يتوقع: بدءاً باستقالة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان لعدم رضاه عن الأداء الإسرائيلي في الاشتباك إلى مظاهرات حاشدة للإسرائيليين الذين يعيشون في المدن الصغيرة حول غزّة، يدفعون يومياً الهلع والرعب ثمن جيرة مدينة لا يُميتُها الموت، إن لم تكن خسائر فعليّة بسبب تكتيكات المقاومة البدائيّة من الطائرات الورقيّة إلى الصواريخ المحليّة. ذهول العالم له ما يبرره. إذ أن التوازن العسكري والتقني بل والاستراتيجي يكاد يكون بكامله لمصلحة جيش (الدّفاع) الإسرائيلي الأقوى تسليحاً بما يُقاس مقارنة بكل الدّول العربيّة مجتمعة وبالتأكيد ليس لمصلحة ثلّة من الشبان الملثمين بالبطولة المصابين بفقر التغذية وهستيريا الحلم وجرثومة المقاومة التي لا شفاء منها. لكن “انتصار غزّة” وإرغامها القيادة الإسرائيليّة اليمينيّة المتطرفة على صرف النّظر عما كاد أن يتحوّل من عمليّة اغتيال خاطفة إلى غزو واسع لا يمكن فهمه بالمقاييس الماديّة المحضة المتعلقة بتقنيات القتال ولا بمبررات الدافع الأخلاقي وشجاعة المقاتلين التي فقدت منذ كثير من الوقت قيمتها في مواجهة تطور تكنولوجيا الحرب القاصمة. فما السرّ إذن؟ لا تُكسب الحروب بأسلحة القتل فحسب، بل يكاد معظمها الذي سجّله التاريخ منذ حادثة حصان طروادة الشهير وإلى اليوم يقوم على دور عوامل أخرى ذات تأثير نوعي قد تقلب المعادلات وتفرض توازن قوى مختلف. وهو ما وصفه سن تزو مفكر الحرب الأول بأنه تحقيق الانتصار دون الحاجة إلى التورط بمعركة لها تكاليفها الماديّة والبشريّة مهما قلّت. الخداع والبروباغاندا والصدمات قد تفعل ذلك، وربما حتى مزيجاً منها كما في حرب الخليج التي وصفها فيلسوف فرنسي بأنها لم تقع، ليس لأن القتل لم يحدث، بل لأن كل المعركة نُقلت إلى صور تلفزيونيّة تحكي رواية مختارة بدقّة عن “الحقيقة” لا تشبه الحقيقة بشيء وحسمت المعركة حتى قبل انتهائها. في غزّة هذا الأسبوع استخدمت فصائل المقاومة شيئاً من هذا السلاح وبذكاء استراتيجي غير مسبوق. إذ سرّبت للتلفزيونات مقطعاً (صار شهيراً اليوم بـ “كمين العلم”) لعمليّة مذهلة نُفذت بنجاح فائق قبل عدّة أشهر ضد مجموعة من الجنود الإسرائيليين على حدود المدينة الصارمةِ الواقفةِ على حدود الكرامة ولا تتزحزح قيد أُنملة، ليلحقها مقطع آخر يصور إصابة حافلة عسكريّة إسرائيليّة إصابة مباشرة وصريحة بصاروخ كورنيت المضاد للمدرعات. هذه المقاطع المصورة التي تناقلها نصف سكان العالم كسرت معنويات الجيش الغازي، ودفعت السلطة العبريّة إلى بذل الجهود مع الجانب المصري للتوصل لوقف إطلاق النار كي لا تتدحرج كرةُ المواجهة نحو معركة مفتوحة لا يمكن التنبوء بمساراتها. المقاومة في غزّة لم تخترع بالطبع استعمال الصورة البصريّة كسلاح استراتيجي في المعارك، وهي كانت استفادت للحقيقة خلال مراحل الصراع المختلفة من مقاطع عدّة تظهر وحشيّة الاعتداءات الإسرائيليّة وتكرّس الحقيقة الفاقعة بأن الفلسطينيين هم الضحايا الدائمون، لكن الإنجاز الإبداعي الاستثنائي هذي المرّة كان في تقديم الجنود الإسرائيليين لقماً سائغة لمقاومين رفيعي التدريب مسلحين بأسلحة فعالة، يمتلكون عميق الدراية وكثير الشجاعة لحملِ كاميراتٍ تسجل الحدث وكأنها تخلق معه توازن رعبٍ جديد، ما بعده ليس كما كان قبله، ومن ثم تخبئه في جيوب الانتظار لحين قطافه وعرضه لتصير الصورة الحدث، حكاية انتصار. تسليح الصورة التلفزيونيّة وتحويلها إلى أداة بروباغاندا هائلة تمكّن من كسب الحروب وتغيير دفتها، لا شك أن الأمريكيين ومن بعد الحرب العالميّة الثانيّة تحديداً كانوا وراءها.وهم بلغوا خلال حرب الخليج حد الاحتراف في إغراق العالم بصور مزيفة عن الوقائع قبل الحرب وخلالها وبعدها، ووظفوا شركات دعاية كبرى لخلق تلك الصور وربما أشهرها المشهد المتلفز لهجوم متظاهرين مزعومين على تمثال الرئيس العراقي السابق لحظة سقوط بغداد في نسيان/أبريل 2003، وهم أرادوا خلق مشهد مماثل في كاراكاس شهر أغسطس/آب الماضي لاغتيال رمز النظام البوليفاري الرئيس نيكولاس مادورو على الهواء مباشرة وهو بين جنود حرسه الوطني لولا أن عاندتهم الأقدار.لكن الذي لم يتوقعه الأمريكيون حقيقة أن السّلطة الهائلة التي منحوها للصورة التلفزيونية لن تبقى حكراً عليهم، وأن لاعبين آخرين سيلتقطون الفكرة، ليس أقلّهم جنرالات المقاومة الفقراء في غزّة الذين أبدعوا في توظيفها لقلب موازين القوى اما الإسكتلنديون ما زالوا منقسمين حتى اليوم بشأن تحقيق الاستقلال عن المملكة المتحدة وحكم لندن. والحقيقة أن جزءا كبيراً من هذا الانقسام مرده بالدرجة الأولى تكلّس الوعي القومي في ذهن قطاعات مهمة من جيل الشباب الإسكتلندي الذي نسي بعد 400 عام كيف خضعت بلاده – الجبليّة الفائرة والشجاعة والتائقة دوماً نحو الحريّة – لحكم جيرانهم الإنجليز الآتين من الجنوب بالتعاون مع نبلاء الشمال الجشعين. مع ذلك فإن الحزب الذي يتولى إدارة شؤون الإقليم الإسكتلندي هو حزب استقلالي النزعة رغم براغماتيته الشديدة في العمل من خلال سياق منظومة المملكة المتحدة. هؤلاء بدورهم يعلمون بأن الانتصار في الصراع مع لندن لن يكون ممكناً بالدبابات والصواريخ، ولا بالمظاهرات الكثيفة التي تستمر وسائل الإعلام البريطانية الموالية لمنظومة الحكم في تجاهلها والتقليل من شأنها. ولذلك تقرر التزود بالسلاح الأمضى، الصورة التلفزيونيّة لاستدعاء مشاعر مزيد من الإسكتلنديين نحو القوميّة ومشروع الاستقلال. وقد جاءت اللحظة الحلم عندما تقدمت نيتفليكس بطلب من السلطات المحليّة في غلاسغو لتصوير عملٍ عن بطل مقاومة اسكتلندي قاد أبناء وطنه لدحر العدوان الإنجليزي عن أرض بلاده ليتوج ملكاً اعتبرته لندن فوراً بمثابة ملك غير شرعي وخارج عن القانون يمنع التعامل معه ويخّون كل من يعترف به. أدرك الاستقلاليون أنهم أمام فرصة قد لا تتكرر لإنتاج صور تلفزيونيّة تلهب مشاعر مواطنيهم نحو الاستقلال وتوغلها ضد حكومة جلالة الملكة. وبالفعل منحت لطواقم فيلم “أوتلوك كينغ” تسهيلات غير مسبوقة، وسمح لهم بالتصوير في المواقع الأثرية التي شهدت أحداث القصة التاريخيّة، ونظمت السلطات استعدادات استثنائيّة لاستقبال المواطنين والسواح المتوقع تدفقهم على تلك المواقع بعد عرض الفيلم. كل التوقعات أن هذا العمل سيغيّر مزاج الشبان الإسكتلنديين ويؤجج مشاعرهم الوطنيّة مما يحضرّهم لدعم خيار الاستقلال إذا تطورت الأمور بشأن موضوع البريكست – قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي – وتقرر تنظيم استفتاء بشأن الانفصال عن حكم المملكة. تحدث هذي التجارب الهائلة لتوظيف الصورة سلاحاً نوعياً شاهقاً ،قالباً للتوازنات، بينما لا تزال معظم الشاشات التلفزيونيّة العربيّة عالقة في فضاء السقوط بأفخاخ البصريات الفارغة المعنى والحشو المؤدلج وحروب السياسة المسطحة وكأنها لا تعيش معنا على ذات الكوكب الذي يشهد تطورات متدفقة في إدارة الإعلام بوصفه أحد أدوات القوّة المعاصرة وفرض الإرادات وصراعات النفوذ. بوركت سواعد المقاومين الشجعان في غزّة الذين تسلحوا بالصورة كما بالبندقية. يستحق كلّ واحد منهم أن يعيّن مستشاراً إعلامياً مقابل وزنه ذهباً ليعلّم تلفزيوناتنا المتكلّسة فن الصورة في العصر الجديد. لكم المجد نيابة عنا جميعاً

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *