sam. Sep 26th, 2020

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

المتحف الوطني : حكايات عن لبنان وتراثه

عندما تدخل المتحف الوطني في بيروت، ينتابك إحساس بالذهول والفخر، ينتقل بين الرهبة والعظمة لرؤية التاريخ بمختلف عناصره يعود أدراجه عبر الأزمنة القديمة: أثريات تشع تحت الإضاءة تبدو وكأنها لوحات نقشت العصور عليها معالمها فأضحت تخبر عن ذاك الزمن ألف حكاية وحكاية. في الطابقين الأرضي والأول، تطالعك مقتنيات تعود إلى فترة ما قبل التاريخ، إلى العصر الحجري حيث تعرض أبرز ما استخدمه الإنسان الأول الذي عاش على شواطئ لبنان منذ أكثر من مئة ألف سنة، فصوّانيات نادرة من العصر الحجري الحديث (9000-4000 ق.م) كرأس حربة من صوّان كانت تستخدم للصيد وتترافق مع أدوات أخرى من العصر الكلكوليتي (4000-3200 ق.م.)كصنارة من النحاس والتي تعتبر من أولى الأدوات المعدنية التي استخدمها الإنسان الجبيلي لصيد الأسماك، تظهر حقائق عن طرق عيش الإنسان الأول واهتماماته.   والعصر البرونزي، بأقسامه الثلاثة (القديم والمتوسط والحديث)، عصر نشوء الحضارة المدينية، وظهور الكتابة، كتب عنه علماء الآثار الكثير. وقد كشفت الحفريات الأثرية أسواراً ومساكن ومعابد ومدافن لهذه المدن القديمة، حيث كان يرافقها عدد كبير من القطع ذات الطابع المدفني أو الديني سمحت بالتعرف إلى بعض جوانب حياة السكان اليومية وإلى معتقداتهم وصناعاتهم. فالحلي وقلادة الملك إب شمو أبي مثلاً التي عثر عليها ضمن اللوازم التي دفنت معه والتي تعود للعصر البرونزي المتوسط (2000-1500 ق.م) تدل بوضوح على إتقان السكان فن صناعة الذهب والفضة، كما أن فرس البحر المصنوع من الخزف والتي تمثل القرابين تدل من جهة على إتقان صناعة الخزف ومن جهة أخرى تظهر التأثير المصري على سكان تلك المدن. وبانت تحف العصر البرونزي  الحديث (1500-1200 ق.م) وبالأخص القطع العاجية المصنوعة من عاج فرس البحر، وأهمها علب التبرج (على شكل بط) المكتشفة في صيدا والتي أظهرت ذوقا مميّزاً وحرفية عالية لدى السكان. وتجدر الإشارة إلى أنها من النماذج القلائل المكتشفة في لبنان كون غالبية هذه القطع سلبها الملوك الأشوريين خلال غزوهم للبلاد. أما ناووس أحيرام، ملك جبيل، فيعتبر من أهم القطع المعروضة في المتحف الوطني، إذ إنه يتميز بالنقوش والكتابات التي تغطي الجرن والغطاء مع بقايا دهان أحمر في بعض الأماكن وكونه الشاهد الأول على الأبجدية الفينيقية التي قام الفينيقيون بنشرها في الألف الأول ق.م. لم تقتصر النماذج على المدن الساحلية بل تعدته إلى بلدة كامد اللوز البقاعية حيث تم اكتشاف تمثال الإلهة حتحور وتمثال آخر يمثل عازفاً على آلة موسيقية. وهذان النموذجان يظهران براعة الحرفيين المحليين في نحت العاج. بلغت الحضارة الفينيقية أوجها في العصر الحديدي (1200-330ق.م)، من خلال الانتشار التجاري في محيط البحر الأبيض المتوسط ونشر الأبجدية إلى العالم بفضل قدموس الصوري. وينقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام: العصر الحديدي الأول (القرن الثاني عشر – القرن العاشر ق.م) والحديدي الثاني (القرن التاسع – القرن السابع ق.م) والحديدي الثالث (القرن السادس – القرن الرابع ق.م). وقد تنوعت الموجودات المكتشفة من ذهب وعقيق (كالقلادة والعقد الذي يزينه وجه، اللذين اكتشفا في مغارة طبلون قرب صيدا)، والفخار المستورد من اليونان وقبرص (بحسب ما دلت عليه النقوش والزخرفة التي وجدت على إناء بشكل رأس خنزير وآخر مزين بشكل بط). أما تماثيل الرخام التي اكتشفت في عين الحلوة وصيدا ومعبد اشمون (بستان الشيخ) فدلت على تأثر الفينيقيين بالحضارات الأخرى كالفارسية واليونانية وغيرها، وعلى الطقوس المتبعة آنذاك، هذا ما يظهره تمثال الطفل مع كتابة فينيقية والذي قدم إلى إله الشفاء أشمون عربون شكر لشفائه أطفالهم. أما الآثار المتبقية من العصر الهليني(333-64 ق.م) فقد غلب عليها الطابع اليوناني وذلك بعد ما فتحت المدن الساحلية أبوابها للإسكندر الكبير الذي انتصر على الفرس في سنة ٣٣٣ ق.م.
وقد تنوعت هذه الآثار بين منبر من رخام الذي وجد في معبد أشمون في (بستان الشيخ) قرب صيدا والذي يعتبر نموذجاً للمنتوجات اليونانية المصنوعة في فينيقيا إلى تماثيل الآلهة كتمثال فينوس من رخام (عثر عليه في بيروت) أو تمثال لإله الحب وتمثال للإله هيرمس من الفخار واللذين وجدا في منطقة الخرايب قرب صور، كلها تظهر الأثر اليوناني المباشر في الحياة اليومية آنذاك. هذا الأمر لم يمنع الفينيقيين من المحافظة على لغتهم وأبجديتهم وطقوسهم المحلية، ويتضح ذلك من خلال نصب بعلشمار الذي وجد في أم العامد مصنوعاً من حجر كلسي وقد نقشت عليه كتابات فينيقية. يعتبر العصر الروماني(64 ق.م 395- م) عصر العمران بالنسبة لفينيقيا، حيث تميزت سياسة الرومان في المنطقة الساحلية بإحياء التطور المدني، وتمكنت المدن الفينيقية من توسيع رقعتها حيث شيدت أبنية دينية ومدنية (معابد، بازيليكا، أسواق تجارية، مسارح)، وتطورت الصناعات المحلية من الصياغة والزجاج والنسيج والفخار. ومن التحف الأثرية المعروضة في المتحف الوطني، إناءات من الزجاج كانت تستخدم في الحياة اليومية وفي التجارة والطقوس وقد اكتشفت في صور. كما تم اكتشاف مدفن في منطقة البرج الشمالي قرب صور، على جدرانه مشاهد مقتبسة من الميتولوجيا مرتبطة بعالم الأموات، وقد أعيد تركيبه في مبنى المتحف. وكان للرخام حصة من خلال التماثيل الرائعة للآلهة كتمثال هيجيا إلهة الصحة (جبيل) ورأس الإله ديونيزوس ذو القرنين (صور) أو حتى ناووس أسطورة آخيل الذي اكتشف في صور. أما الفسيفساء فموجودة أيضاً، ولعل أشهرها تلك التي تمثل اختطاف الإلهة أوروبا ابنة ملك صور وقد خطفها “زفس” الذي تحول إلى ثور… العصر البيزنطي ( ٣٩٥ م- ٦٣٥ م): انضمت المدن الساحلية اللبنانية إلى الأمبراطورية الشرقية. وقد اعتنقت هذه المدن الديانة المسيحية فهدمت المعابد، لاسيما بعد أن أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي. بالرغم من ذلك فقد بقيت بعض الطقوس الوثنية منتشرة كعبادة الإله أدونيس وجوبيتر وذلك لقرون عدة. تميز هذا العصر ببناء الكنائس في جميع المدن الساحلية كبيروت وخلدة وشحيم والزهراني وصور ومدن أخرى جبلية كبيت مري والغينة في كسروان وبعلبك، وقد زينت أرضيتها بفسيفساء تمثل مواضيع دينية. وتنوعت الآثار المعروضة من تماثيل خزفية كفرس البحر الذي اكتشف في جبيل، إلى الحلي على أنواعها (سوار مع رأس كبش، أقراط، خاتم) والمصنوعة من الذهب واللؤلؤ والأحجار نصف الكريمة والتي اكتشفت في بيروت. أما النقوش على الرخام، فقد كثرت في تلك الحقبة، وغلب عليها الطابع الديني حيث كانت تمثل مواضيع توراتية (مبارزة داوود والأسد، أو ذبيحة ابن إبراهيم). واستخدمت الفسيفساء في المعابد والكنائس وعند مداخل بيوت الأثرياء كفسيفساء “‘الحسد” التي اكتشفت في قلب مدينة بيروت البيزنطية.

من الفتح العربي حتى نهاية العصر المملوكي (٦٣٦ م ١٥١٦ -م) شعوب كثيرة مرت على لبنان عملت على نهضته خصوصاً بعد الزلزال الذي ضرب مدنه الساحلية. فتعاقب الأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاجقة والأيوبيون والصليبيون والمماليك على احتلال البلد وترك كل منهم أثراً واضحا في العادات والبناء والصناعة وغيرها. وهكذا نجد أن الحلي المتعددة الأصناف (عقد، سوار، خاتم، بكلة…) والمصنوعة من الذهب والأحجار نصف الكريمة والمينا التي تحمل نقوشاً عربية وأشكالاً هندسية ووجوهاً بشرية، تظهر بمجملها البراعة التي تميّز بها صاغة العصر المملوكي. والفخاريات التي اكتشفت في صور (من نوع سجرافياتو) تميزت بتقنيات طلاء الإناء ومن ثم نقشه بطلاء ملون بمزيج من الخطوط والرسوم والنقوش والكتابات العربية التي ميزت تلك الحقبة. وتجدر الإشارة إلى أنه على جانب بهو مدخل المتحف هنالك غرفة مخصصة لعرض الأفلام الوثائقية حول عملية إحياء المتحف الوطني، وغرفة أخرى مخصصة لبيع التذكارات. إذا كانت المعروضات في المتحف الوطني، التي تعكس تعاقب الحقبات أو العصور على مدى التاريخ جديرة بالتعرف إليها، فإن تاريخ نشأة المتحف هو أيضاً جدير بأن يكون معلوماً. إن ولادة المتحف الوطني، بدأت بقطع أثرية جمعها الضابط الفرنسي ريمون ويل سنة ١٩١٤ ، والذي كان متمركزاً في بيروت آنذاك، وقد أودعت في البدء في قاعة في مبنى الراهبات الألمانيات في شارع بيكو بحيث أخذت القاعة صفة متحف مؤقت. تم تدشين المتحف الوطني في موقعه الحالي في ٢٧ أيار ١٩٤٢ على يد السيد الفريد نقاش رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، بعد أن استغرقت الأشغال لإتمامه مدة سبع سنوات من سنة ١٩٣٠ إلى سنة ١٩٣٧ . وقد تم الإقرار على أن يكون المتحف المكان الصالح لعرض الأثريات التي تكتشف على الأرض اللبنانية. وهكذا كان. في غضون ثلاثين سنة، تدفقت القطع المستخرجة من الحفريات مضافة إلى تلك التي وجدت قبل بناء المتحف، واستمتع زوار المتحف بمشاهدة قطع ثمينة من عصور ما قبل التاريخ حتى أواخر القرن التاسع عشر وذلك حتى سنة ١٩٧٥ تاريخ بدء الحرب اللبنانية. شاء القدر أن يقف المتحف حاضن التاريخ، شاهداً على حقبة بشعة من تاريخ لبنان، ألا وهي فترة الاقتتال الداخلي على خطوط التماس، وأغلق المتحف أبوابه بسبب تدهور الأوضاع الأمنية. إزاء هذه الأوضاع، اتخذت تدابير أولية لحماية محتويات المتحف، فالقطع الصغيرة المعروضة في الطابق الأول ضمن الواجهات التي كانت الأكثر تعرضاً للأذى، وضعت في مستودعات الطابق السفلي الذي أحيط بجدران مسلحة منعت من تعرضها للأذى. وكان على القيمين أن يحموا قطع الفسيفساء المرصوصة على أرض المتحف في الطابق الأرضي فعمدوا إلى تغطيتها بطبقة من الأسمنت، أما القطع الكبيرة المتعذر نقلها (النواويس والتماثيل) فقد حميت في البدء بأكياس رملية ومن ثم أحيطت بطبقة من الأسمنت المسلح. وطوال فترة الأحداث، تعرض المتحف للكثير من الخراب والدمار، فبدأت المياه تتسرب إليه من الثغرات والفجوات في سقفه وجدرانه والنوافذ، هذا بالإضافة إلى الأثر المباشر للقذائف والرصاص. أدت هذه الأوضاع إلى تلف بعض الصناديق التي تحتوي على قطع أثرية كما احترقت صور وخرائط ومستندات قيمة. وشروط الحفظ غير الصالحة (المستودعات المغلقة منذ فترة طويلة، نقص في التهوئة، ارتفاع في مستوى الرطوبة)، ما أدى إلى تكاثر جرثومي وكيميائي وظهور طبقات من الملح على قاعدة الصناديق وبالتالي تلف العديد من القطع، الأمر الذي استلزم جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة لإعادة ترميمها وحفظها.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *