30 septembre 2022

elfajr.org

تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل – باريس – 2016

الإبراهيمية مشروع صهيوني بديلا عن القومية العربية

ان الحديث عن الإبراهيمية يوحي بأنها دين سياسي، فسيدنا إبراهيم أسمى من استخدامه في السياسة، و تسييس الدين لخدمة قضايا سياسية يعتبر أمر في منتهى الخطورة وما أطلق عليه اسم “اتفاقيات أبراهام” بين عدد من الدول العربية والكيان الصهيوني، سوى الجزء الظاهر من خطة دُبرت قبل عقود؛ لضرب الهوية العربية والإسلامية لدول المنطقة وإخضاعها للحلف الصهيو-أمريكي،  عبر الحصار والحرب الاقتصاية تمهيدا لقضمها واحدة تلو الأخرى.

 

وبعد عام من اتفاقيات التطبيع التي وقعتها دول الخليج والسودان والمغرب مع الكيان الصهيوني، بدأت مرحلة جديدة لاتفاقيات إبراهام، تتمثل في بناء حلف “صهيو- عربي” ضد الدول والكيانات التى ما زالت تدافع عن الهوية العربية او الإسلامية أو تحمل مشروعا إسلاميا، مثل تركيا وإيران والإخوان المسلمين، حيث أعلن وزير الخارجية الصهيوني يائير لبيد أن إسرائيل تسعى لإقامة ما يسمى “تحالف الحياة”، الذي يضم الكيان الصهيوني والمطبعين العرب بالإضاقة الى اليونان وقبرص، لمواجهة كل من إيران وتركيا و جماعة الإخوان المسلمين. خطة لبيد تتضمن- وفق صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”- محورًا واسعًا يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي ، وقد تحدث عنها لبيد مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في الرباط ، 11 أغسطس 2021، ثم أعاد الحديث عنها، “كمحور سياسي”، مع نظيريه اليوناني والقبرصي. وقال لبيد إن التحالف الثلاثي (الإسرائيلي اليوناني القبرصي) كان “جزءًا أساسيًا من شيء أكبر، تحالف معتدل وعملي طموح لمجموعة من البلدان تعمل معًا برؤية مشتركة، من الإمارات والبحرين في الخليج ، والمغرب في شمال إفريقيا ، ومصر والأردن في الشرق الأوسط، وقبرص واليونان في البحر الأبيض المتوسط ، وغيرها من الدول التي تنضم إليها طوال الوقت”. ما قاله لبيد هو ترجمة عملية لجزء من مسار “الإبراهيمية الجديدة” التى تقوم على ما يسمى “الدبلوماسية الروحية” والتي هي في حقيقتها استعمار من نوع جديد 

اتفاقات أبراهام

من المعروف أنه من إحدى التقاليد الدبلوماسية القديمة تسمية اتفاقيات السلام باسم المكان الذي تم الاتفاق أو التوقيع عليها فيه. عادةً ما يتم استخدام ذلك كوسيلة للاعتراف بالدور المهم والقيادي للدولة التي توسطت في الاتفاق. على سبيل المثال، سميت اتفاقيات السلام الإسرائيلية-المصرية بـ “اتفاقات كامب ديفيد” نسبة إلى المنتجع الرئاسي الأمريكي في ولاية ماريلاند. وبالمثل، أصبحت اتفاقية السلام الإسرائيلية-الأردنية تُعرف باسم “اتفاق وادي عربة” الذي سمي باسم وادي عربة، حيث أقيم الاحتفال. حتى الاتفاقات الإسرائيلية-الفلسطينية المرحلية المؤقتة المعروفة بـ “اتفاقيات أوسلو” سُميت باسم عاصمة النرويج، حيث جرت المفاوضات السريّة بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة تحرير فلسطين. غير أن أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب صرح أثناء إعلانه عن الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية، إنها ستعرف باسم “اتفاقات أبراهام”. وطلب كذلك من السفير الأمريكي المناصر للاستيطان في إسرائيل، ديفيد فريدمان، شرح سبب تسميتها بهذا الاسم، فقال فريدمان إن النبي إبراهيم: “كان أبا الأديان الثلاثة العظيمة ولا يوجد شخص أفضل من النبي إبراهيم يرمز إلى إمكانية الوحدة بين جميع هذه الديانات الثلاثة الكبرى”.

مشروع أمريكي خطير

انتهى كلام فريدمان، لكن أليست هذه الاتفاقية بطبيعتها “اتفاقية سلام”، أي اتفاقية سياسية وليست دينية؟

ليس من المصادفة إعطاء هذا الاتفاق اسمًا ونكهة دينيةً وحتى غرضًا دينيًا متمثلاً بـ: “الوحدة المحتملة بين جميع هذه الديانات الثلاث الكبرى“. بل إنما هي تسمية مضللة مقصودة، تحمل أجندة خفية متصورة. إنّ استخدام النبي إبراهيم كأبٍ للمعتقدات التوحيدية يفترض تلقائيًا أن إسرائيل والولايات الأمريكية المتحدة والإمارات العربية المتحدة هم الممثلون الحصريون لليهودية والمسيحية والإسلام، تباعًا. هذا الافتراض هو أبعد ما يكون عن الحقيقة، وسيثير الكثير من المعارضة لا التأييد، خاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط. إن مثل هذه الاتفاقية هي مشروع أمريكي خطير للغاية. إن هذا المشروع الأمريكي هو مشروع استعماري جديد يهدف إلى خلق شرق أوسط “إبراهيمي” جديد. أن المستعمرين (الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، التي تُنعت بـ أسبرطة الصغيرة، للدلالة على نزعتها العسكرية) لن يتوانوا عن استخدام تقنيتهم المتقدمة واقتصاداتهم القوية للسيطرة على موارد المنطقة.

الشعب المختار

إن الصهيونية الإسرائيلية باعتبارها أيديولوجية استعمارية وعنصرية واستثنائية، وكذلك حركة قومية، تنظر إلى فلسطين التاريخية على أنها أرض مقدسة يحق لليهود المطالبة بها تاريخيًا من أجل خلاصهم. علاوة على ذلك، فإن الأيديولوجية الصهيونية المتلاشية تدور دائمًا حول ثلاثية الله والأرض والشعب. وهكذا، فبالنسبة لهم، يحل الإله في الأرض، لتصبح أرضاً مقدَّسة ومركزاً للكون، ويحل في الشعب ليصبح الشعب “اليهودي” المختار الشعب الأزلي المقدس. ويعتقد الصهاينة أن الله وعد النبي إبراهيم بأن هذه الأرض ستكون لنسله، أبناء يعقوب، أو “إسرائيل”. بالنسبة لهم، هي “الأرض الموعودة” التي سيعود إليها اليهود تحت قيادة الماشيَّح (المسيح المخلص) والتي ستشهد نهاية التاريخ. علاوة على ذلك، فهم مقتنعون بأن “أرض إسرائيل” تقع في وسط العالم، تمامًا كما يقف “اليهود الصهاينة” في موقع اجتماعي مركزي “كرؤساء، وأشخاص مختارون”. بالإضافة إلى ذلك، فهم يعتقدون أن تاريخهم المقدس يشكل حجر الزاوية في تاريخ العالم، بينما تشكل أفعالهم أساس خلاص العالم. وبينما يقول البعض أن “أرض الميعاد” هذه تتوافق تقريبًا مع حدود فلسطين التاريخية، يقول آخرون إنها تمتد من نهر مصر “النيل” إلى نهر العراق الكبير “الفرات”. هذا ما يسمى بـ “إسرائيل الكبرى” أو “أرض إسرائيل الكاملة”

التفوق الاقتصادي والتكنولوجي

في بداية ظهور الحركة الصهيونية، كان هدفها الحصول على أرض الميعاد، “إسرائيل الكبرى”. ومع ذلك، وبالنظر إلى تطور الوضع السياسي في فلسطين التاريخية، كان من الصعب الإعلان عن هذه الهدف بشكل علني ورسمي. لذلك، لم تتم تسوية الحدود السياسية للدولة المشكّلة حديثًا، إسرائيل، لأن الصهيونية – كأيديولوجية استعمارية توسعية – لم تكن تنوي لإسرائيل الالتزام بحدود معينة عند الدخول في تسويات سياسية مع الدول المجاورة. وبالتالي، تم التخلي عن مفهوم “إسرائيل الكبرى” في شكله التقليدي لحساب ظهور مفهوم جديد، حديث وأكثر جاذبية، وهو “إسرائيل الاقتصادية/التكنولوجية الكبرى” كقوة إقليمية رئيسية. يشير هذا المفهوم إلى أن “إسرائيل الصهيونية” ستكون هي القوة العظمى التي تهيمن على المنطقة من خلال التفوق الاقتصادي والتكنولوجي، بالإضافة إلى المكاسب الدبلوماسية الإقليمية. سيُستخدم التفوق الاقتصادي والتكنولوجي لإسرائيل في حشد، وفي بعض الحالات وبمساعدة الولايات المتحدة، إجبار المزيد من الدول على تطبيع العلاقات معها، مثل السودان، أو إغراء البعض الآخر، مثل المغرب. بالنظر إلى التحليل المذكور أعلاه من خلال عدسة التطورات الإقليمية الحالية، يبدو أننا نتجه نحو هذا المخطط، خاصة مع إدخال مفهوم جديد يُعرف بـ”الدبلوماسية الروحية” وبداية تطبيقه الفعلي. وتستند الخطة إلى المفاوضات بين العقائد التوحيدية الثلاث، ما يسمى بـ “الديانات الإبراهيمية”، وعلى استخدام مبادئها المشتركة الحالية لحل النزاعات. ستتم هذه الاتفاقيات التي تم التفاوض عليها في إطار دبلوماسية المسار الثاني أو “دبلوماسية القنوات الخلفية”. تستلزم الدبلوماسية الروحية ساحة تفاوض غير رسمية – في هذه الحالة – يتم جمع رجال الدين مع السياسيين والدبلوماسيين لتحويل القضايا المشتركة والمتفق عليها إلى واقع على الخريطة السياسية. علاوة على ذلك، فهو يهدف إلى استعادة المصالح الدينية “للشعوب الأصلية” في المناطق التي تتكرر فيها الصراعات العنيفة – الطائفية منها على وجه الخصوص. إن مركزية النبي إبراهيم في العقائد التوحيدية هي محور تركيز أساسي للخطة، التي تؤكد رحلة النبي إبراهيم عبر دول الشرق الأوسط العشرة الحالية. تعمل السياسة الخارجية لمكتب الحرية الدينية الدولي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية بشكل مترابط مع أحفاد النبي إبراهيم الروحيين المزعومين لتطوير شبكة من طرق الحج التي تربط الأماكن المقدسة في الدول التي زارها النبي إبراهيم. ومن الأمثلة الواضحة على هذا المخطط مشروع إزالة الألغام الأرضية من وادي نهر الأردن، الذي يضم ثالث أقدس موقع مسيحي، معمودية يسوع المسيح في الضفة الغربية الفلسطينية. لقد كان شكلاً عمليًا للتنسيق على الأرض بين المجالين السياسي والروحي.ووفقًا لتقرير صادر عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان المعروف بـ (بتسيلم)، بعنوان: “نهب واستغلال: سياسة إسرائيل في منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت“، زعم المجلس الإقليمي الإسرائيلي لغور الأردن أن النبي إبراهيم مرّ بالموقع في طريقه إلى أرض الميعاد.

على خطى النبي إبراهيم

وفي سياق تنفيذ الخطة، أجرت جامعة هارفارد دراسة عملية للتفاوض على المسار بين أبناء إبراهيم في إطار مبادرة تسمى “السير على خطى النبي إبراهيم“. تبدأ الرحلة بتغطية من الأقمار الصناعية، من حران في تركيا وتستمر لمدة 55 يومًا لتشمل جميع المدن التي زارها النبي إبراهيم وفقًا للعقائد التوحيدية الثلاثة، من أجل خلق رابط مقدس بين الدول في الرحلة. وتمثل الدول التي شملتها الدراسة خريطة “إسرائيل الكبرى”. وهكذا، فإن التركيز على القواسم المشتركة هو ما يمهد الطريق لقبول الأفكار المشتركة في ضوء القيم الإلهية السامية التي يقبلها جميع المؤمنين بالعقائد التوحيدية، بهدف استخدام الأماكن المقدسة المشتركة كبداية لحل النزاعات المستمرة، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. علاوة على ذلك، يقدم هذا المخطط ربط القادة الدينيين والسياسيين لحل أسباب الصراع من خلال ‘إعادة المصالح الدينية للسكان الأصليين إلى الخريطة كمكونات أساسية لمفاوضات السلام بين الشعوب التي لها تاريخ من التدين الشديد‘. بالإضافة إلى ذلك، يهدف هذا النهج إلى إعادة الحقوق إلى “الشعوب الأصلية”، التي لم يتم تحديد هويتها بشكل واضح وبالتالي تُركت للاتفاق بين رجال الدين والسياسيين. ويرى الصهاينة أن اختيار رحلة النبي إبراهيم للوصول إلى حل النزاعات القائمة بين هذه الدول (طريق النبي إبراهيم) من خلال اتفاق رجال الدين من العقائد التوحيدية الثلاثة هو طريقة لترجمة هذه التفاهمات إلى واقع سياسي، من أجل تحقيق الوحدة الفعلية. ومن اللافت للنظر أن هذا المخطط يعتبر أن الصراعات الطائفية بين المؤمنين بعقيدة واحدة يجب أن تكون الدافع للوحدة بين كل العقائد التوحيدية، وهذا في الواقع يحدث الآن في المنطقة. سيحل الانقسام السني الشيعي وتحالفاته التي تتشكل حاليًا محل القضية الفلسطينية وستصبح القضية الأهم في العالم العربي والإسلامي، وفقا لمفكرين صهاينة.

دونالد ترامب

في 2017، تم انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وهو الممثل الجمهوري لحركة المحافظين الجدد التي تدعم المسيحية الصهيونية، وعقيدتهم اللاهوتية توجب دعم إسرائيل لدعم ظهور المسيح.  بعد ذلك، جاءت محاولة برعاية الولايات المتحدة من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لتغيير مناهج المدارس الابتدائية في فلسطين ومحو عبارة القدس كعاصمة لفلسطين. وبدلاً من ذلك، أشارت المناهج الجديدة إلى أن القدس مدينة مقدسة لجميع “الديانات الإبراهيمية”، كمقدمة لخلق واقع جديد وبناء جيل جديد يؤمن بهذا الطرح. قبل ذلك و في آب / أغسطس 2013، أقرّ جون كيري – وزير الخارجية الأمريكي الأسبق – “بالأرضية المشتركة بين الديانات الإبراهيمية” وأقر بتأثير “الدين العالمي” في مواجهة التهديدات التي تلوح في الأفق في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، أعلن جون كيري عن إنشاء مكتب المبادرات المجتمعية القائمة على الإيمان الذي يوجه الدبلوماسيين لإشراك القادة الروحيين والمجتمعات الدينية في العمل اليومي. وخلال فترة هيلاري كلينتون كوزيرة خارجية للولايات المتحدة، تم تشكيل مجموعة عمل حول الدين والسياسة الخارجية: أسست 6 فرق تحت عنوان “الحوار الاستراتيجي مع المجتمع المدني“. وهو يتبع المجلس الاستشاري الفيدرالي للحوار الاستراتيجي، الذي يتألف من حوالي 100 من القادة الروحيين، ومسؤولي وزارة الخارجية الذين يتطلعون إلى تقديم المشورة لوزير الخارجية وعلى الرغم من تغيير وتعاقب وزراء الخارجية الأمريكيين وتغيير الإدارة من الديمقراطيين إلى المحافظين والعكس، إلا أن هذه الإدارة ما زالت قائمة وتمارس عملها، مما يعكس استمرار النهج، لا انقطاعه.

التخلي عن الشعور القومي

يتمثل الخطر الأبرز لما يسمى بـ “مبادرة طريق النبي إبراهيم” في ملكية الأراضي التي يعبر المسار من خلالها على طول الطرق التي سلكها النبي إبراهيم. ومع ذلك، فقد تم تسويتها من خلال مفهوم “الأرضية المشتركة بين الأديان الإبراهيمية“، والتي تستلزم تدويل الملكية، أي أنها لن تكون مملوكة لسكانها الحاليين فقط. وبالتالي، فإن الهدف من المسار هو التخلي عن الشعور القومي والفردي بالملكية في مقابل ترسيخ مبدأ المواطنة العالمية والاحترام المتبادل لتحقيق الاستدامة.يقدم هذا المشروع أيضًا رؤية لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس إنكار الأسباب الهيكلية للصراع والتركيز على إعادة رسم هوية الصراع. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي ترسيخ الاحترام المتبادل إلى إزالة الحدود السياسية بين أفراد الأسرة الإبراهيمية الواحدة. تكتمل الفكرة بمبادرات سياسية تستخدم النبي إبراهيم كمدخل لقبول تقاسم الموارد والسيطرة عليها مركزيًا بحجة امتلاك التكنولوجيا لترشيد استخدامها في ظل تغير المناخ. وبالتالي، فإن الحل يكمن، بالنسبة لمهندسي هذه الخطة، في التخلي عن استقلال الدول وقبول الانضمام إلى الاتحاد الإبراهيمي لمواجهة المستقبل، وهذا الاتحاد ستترأسه إسرائيل . هذا سيشكل ولادة مرحلة من الاستعمار الجديد تحت شعار “تقاسم فوائد الموارد الطبيعية يساعد على منع الصراع“.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

francais - anglais ..