×

 الكيان الصهيوني الاول في سوق برمجيات التجسس عالمياً

 الكيان الصهيوني الاول في سوق برمجيات التجسس عالمياً

Spread the love

باريس ـ الفجرـ  لم تعد الحروب الحديثة تخاض بالأسلحة الثقيلة وحدها، بل باتت الاستخبارات والتجسس أحد أعمدة التفوق الاستراتيجي الذي يحدد مسار المعارك قبل اندلاعها أن كل حرب تبدأ وتنتهي بالمعلومة. حيث أن المبادئ الأساسية للعمل العسكري تقوم على جمع المعلومات وتحليلها قبل أي خطوة تكتيكية أو استراتيجية. ومع الثورة التقنية والاتصالات، أصبح التجسس أسهل من أي وقت مضى، لكنه لم يعد مقتصرا على جمع البيانات عبر الوسائل الإلكترونية فقط، بل بات يقوم على مزاوجة بين القدرات السيبرانية والعمل البشري من خلال العملاء المنتشرين على الأرض.إن إسرائيل لم تكتف بتطوير قدراتها الإلكترونية بل نسجت شبكة واسعة من التجنيد الميداني، ما يمنحها القدرة على متابعة التطورات داخل إيران وسوريا ولبنان، بل حتى اليمن. أن هذه القدرة على دمج الوسائل جعلت منتج الاستخبارات الإسرائيلي يتفوق من حيث النوعية والدقة على معظم جيوش المنطقة، وحتى جيوش عالمية أخرى  وتعد الوحدة 8200 من أبرز الوحدات في العالم في مجال التجسس السيبراني وتحليل البيانات، بينما يحتفظ جهاز الموساد بقدرات عالية على التغلغل البشري وجمع المعلومات من مصادر داخلية في أماكن حساسة. هذا التوازن بين التقدم التقني والاعتماد على الخبرة التقليدية يتيح لإسرائيل بناء صورة استخباراتية أكثر تكاملا. ويحقق الإنفاق الكبير على هذه البنية – والذي قد يبدو تكتيكيا محدود الأثر – مكاسب استراتيجية هائلة. إذ يكفي أن تمنح هذه المعلومات القدرة على استباق خطوات العدو وتوجيه ضربات استباقية تغير مسار الحرب قبل أن تبدأ. أحد أخطر أبعاد السلاح الاستخباراتي هو  « حالة الصدمة ». ففي أكثر من ساحة، استطاعت إسرائيل أن تستبق الحرب نفسها باستهداف قيادات ميدانية ووسيطة، ما أدى إلى انهيار الروح المعنوية لدى الخصوم المعلومة هي السلاح الأول، والقدرة على استخدامها بذكاء هي ما يضمن التفوق في معارك الحاضر والمستقبل. رغم المخاوف الأمنية والتحذيرات المتكررة من خطورة برمجيات التجسس والاختراق، مثل برمجية بيجاسوس الشهيرة، إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سمحت لعملاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بالوصول إلى واحدة من أكثر أدوات الاختراق تطوراً في العالم، وذلك بعد قرارها بالمضي قدماً في التعاقد مع شركة   تنتج برامج تجسس يمكن استخدامها لاختراق أي هاتف محمول بما في ذلك التطبيقات المشفرة، ما ينتهك خصوصية الوافدين عبر مختلف الحدود الأميركية. وبرمجيات التجسس هي برامج خبيثة تستخدم للتسلل إلى أجهزة الهواتف أو الحواسيب دون علم المستخدم، بغرض سرقة البيانات الشخصية، والرسائل، وتسجيل الصوت والفيديو، وتتبع المواقع، والتنصت على الاتصالات. وتحول اسم « بيجاسوس » إلى مرادف لتلك الخدمات، فهو أشهر برنامج تجسسي طورته شركة إسرائيلية  ، ويتميز بقدرته على اختراق الأجهزة العاملة بنظامي أندرويد و  سراً وباحترافية، إذ يمكن تثبيته على الهاتف عن طريق رسائل نصية وحتى دون تفاعل المستخدم في بعض الإصدارات الحديثة، عبر استغلال ثغرات أمنية في النظام، وتستخدمه بعض الحكومات لمراقبة نشطاء، وصحافيين، وشخصيات

 سوق التجسس

 سوق برمجيات التجسس،بها عشرات اللاعبين من شركات تصنيع برمجيات التجسس حول العالم.  ووصلت قيمتها إلى 245.6 مليار دولار في 2024، وسط توقعات بأن تتضاعف قيمة السوق لتصل إلى 500.7 مليار دولار بحلول 2030. وتتصدر الشركات الإسرائيلية المراكز الخمس الأولى في قائمة المطورين الأشهر للبرمجيات الخبيثة حول العالم، وتأتي في الصدارة بسبب برمجيتها فائقة التطور وذات التأثير المدمر « بيجاسوس »، والتي تتميز بقدرتها الفائقة على اختراق الهواتف الذكية سواء عبر روابط خبيثة أو عبر ثغرات  أي دون تفاعل من الضحية. وتستطيع البرمجية استخراج الرسائل والمكالمات وجهات الاتصال وكلمات المرور والبيانات من تطبيقات مشفّرة مثل واتساب وتلجرام، وتشغيل الميكروفون والكاميرا وتحديد الموقع الجغرافي في الوقت الحقيقي، فضلاً عن قدرتها على إخفاء نفسها أو التدمير الذاتي عند الحاجة. وخطفت هذه البرمجية الأضواء بتورطها في عمليات تجسس على عدد من القادة والرؤساء والمسؤولين الحكوميين حول العالم في 2021. في المركز الثاني تأتي شركة كانديرو الإسرائيلية  صاحبة برمجية  والتي تُعرف بانتشارها الواسع على أنظمة تشغيل متعددة (ويندوز، ماك، آيفون، أندرويد) مع استغلالها ثغرات غير معروفة، إضافة إلى بنيته التحتية المموّهة التي تتخفّى خلف أسماء نطاقات تبدو شرعية. وبالمثل، تقدّم برمجية  التابعة لمجموعة  أدوات متقدّمة للتسلل إلى الهواتف المحمولة وسحب البيانات الحساسة عبر هجمات دقيقة، بينما تسوّق شركة باراجون برنامجها جرافيت على أنه أداة قادرة على تجاوز حماية التطبيقات المشفّرة مثل سيجنال وتليجرام، وهي الأداة التي سمحت إدارة ترمب لموظفي وكالة الهجرة بالاعتماد عليها عند فحص هواتف الوافدين للولايات المتحدة عبر مختلف المنافذ الحدودية.

الوحدة 8200 الاستخباراتية

تُعتبر الوحدة 8200 حجر الأساس الذي انطلقت منه إسرائيل إلى موقع الريادة في سوق برمجيات التجسس عالمياً، فهي أكبر وحدة في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ومتخصّصة في التنصت الإلكتروني، واعتراض الإشارات، والهجمات السيبرانية المعقدة. خلال سنوات الخدمة، ويكتسب أفرادها خبرة تقنية استثنائية في مجالات مثل استغلال الثغرات « زيرو داي »، وبناء أدوات مراقبة متقدّمة، وتحليل البيانات الضخمة. ولا تبقى هذه الخبرات داخل المؤسسة العسكرية فقط، بل تنتقل مع خريجي الوحدة إلى القطاع الخاص، لتصبح رأس المال البشري الذي يقود صناعة التجسس التجاري. ومن رحم هذه الوحدة خرجت أسماء الشركات الإسرائيلية الأكثر شهرة في مجال التجسس الرقمي مثل (مطور بيجاسوس)،(اختراق أجهزة iPhone). وخدم معظم مؤسسي هذه الشركات أو كبار مهندسيها في الوحدة 8200، ما يعني أن خبراتها تحولت إلى منتجات تجارية تباع للحكومات حول العالم، وأصبح القطاع الخاص امتداداً غير رسمي لقدرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ما منح إسرائيل مركزاً متقدماً في سوق التجسس العالمية. ولم يتوقف تأثير الوحدة عند نقل المهارات فقط، بل شمل أيضاً تشكيل ثقافة ريادة أعمال فريدة، فالمناخ الأمني والسياسي في إسرائيل شجّع على تسويق هذه القدرات باعتبارها أدوات « أمن قومي » و »مكافحة إرهاب »، وهو ما منح الشركات الإسرائيلية ميزة تنافسية كبرى في التوسع نحو الأسواق الدولية، ومع تراخيص التصدير التي تمنحها وزارة الدفاع الإسرائيلية، أصبحت إسرائيل المزوّد الأول لأدوات المراقبة الرقمية المتقدمة، واضعةً الوحدة 8200 في قلب قصة التحوّل من مؤسسة عسكرية إلى محرّك رئيسي لصناعة التجسس العالمية. وإلى جانب الشركات الإسرائيلية، تبرز بعض الأسماء الأوروبية في سوق برمجيات التجسس فائقة التطور، إذ تشتهر الشركات  البريطانية-الألمانية ببرمجيتها ، التي تمكّن من السيطرة الكاملة على الأجهزة، بما في ذلك تسجيل الكتابة على لوحة المفاتيح ورصد النشاط عن بعد.  وهناك شركات أصغر في أوروبا ا يطالية واسبانية، التي تقدّم حلولاً أكثر تخصّصاً لاستغلال ثغرات محددة أو مراقبة منصات معينة. وبذلك، تتوزع هذه الصناعة بين إسرائيل كأكبر مركز عالمي إلى جانب شركات أوروبية متفرقة، تشترك جميعها في قدرات الاختراق الخفي، واستغلال الثغرات النادرة، والتحكّم الشامل بالأجهزة المستهدفة، مما يجعلها أدوات عالية الخطورة في يد الحكومات والجهات المتعاقدة معها.

كيف تعمل برمجيات التجسس؟

تعمل برمجيات التجسس عادةً بطرق سرية يصعب على المستخدم العادي ملاحظتها، ففي البداية يجري تثبيت البرنامج خلسةً عبر رسائل نصية خادعة أو روابط تصيّد إلكتروني، وقد تُزرع أحياناً من خلال استغلال ثغرات أمنية في أنظمة التشغيل نفسها دون أي تدخل من المستخدم، وبعد نجاح التثبيت، يبدأ البرنامج في جمع البيانات الحساسة وتتبّع الموقع الجغرافي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمكن لهذه البرمجيات أن تمنح المُهاجم قدرة مباشرة على التحكم في كاميرا الجهاز وميكروفونه للتجسس الحي على الضحية، ولضمان استمرار عملها أطول فترة ممكنة، فإنها تُصمَّم لتكون مخفيّة بمهارة بحيث يصعب اكتشافها أو إزالتها حتى من قبل المستخدم الذي لديه خلفية تقنية.

إدارة ترمب تتجسس

لفترة طويلة تجنبت الحكومة الأميركية استخدام تقنية برامج التجسس المصنوعة خارج الولايات المتحدة بسبب مخاوف من أن أي شركة تبيع التكنولوجيا لعدة وكالات حكومية حول العالم تمثل خطراً أمنياً محتملاً. وفي عام 2024، وقّعت عقداً مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية  بقيمة 2 مليون دولار لتزويدها ببرنامج باراجون، وتضمّن العقد تقديم تراخيص وصيانة وتدريب، غير أن الصفقة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية، وجرى تعليقها بشكل مؤقت لحين مراجعتها قانونياً من جانب إدارة الرئيس السابق جو بايدن الأميركية    رفعت واشنطن التجميد عن العقد في عام 2025، وعادت الوكالة الأميركية لاستخدام البرمجية باراجون بشكل رسمي، مستفيدة من حقيقة أن الشركة لم تعد « أجنبية » بالمعنى القانوني. ومنذ تأسيسها، حاولت باراجون أن تميّز نفسها عن شركات أخرى. فهي تعلن أنها لا تبيع منتجاتها إلا لحكومات « ملتزمة بالمعايير الديمقراطية »، وأنها لا تستهدف الصحفيين أو النشطاء، بل تركّز فقط على « الإرهابيين » و »المجرمين ». لكن التقارير الاستقصائية أثبتت أن هذه الادعاءات لا تعكس الواقع بشكل كامل، إذ أظهرت تسريبات وتحقيقات أن برمجياتها استُخدمت بالفعل ضد صحافيين ونشطاء مجتمع مدني. وأفادت تقارير من واتساب، ، بأن برمجية  باراجون استُخدمت في محاولة لاختراق حسابات نحو 90 مستخدماً، بينهم صحافيون ونشطاء مجتمع مدني، وأرسلت الشركة خطاب وقف وكف  إلى  على خلفية الواقعة. وكشف  في كندا ووكالة أسوشيتد برس أن البرمجية استخدمت للتجسس على صحافيين في إيطاليا من خلال استغلال ثغرات في تطبيقات واتساب و وبيّنت هذه الحوادث أن مزاعم الشركة حول « الاستخدام الأخلاقي » لا تصمد أمام الواقع العملي. ولم تعد برمجيات التجسس مجرد أدوات خفية تُستخدم على نطاق ضيق بين أجهزة الاستخبارات، بل تحوّلت إلى صناعة ضخمة تقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، مدفوعة بتزايد الطلب الحكومي والخاص على أدوات المراقبة الرقمية، وبروز شركات إسرائيلية وأوروبية وأميركية أعادت تشكيل ميزان القوى في الفضاء السيبراني. هذا النمو الهائل فتح الباب أمام فرص اقتصادية واستراتيجية، لكنه في المقابل أثار تحديات أخلاقية وقانونية غير مسبوقة، خصوصاً مع توثيق استخدامها ضد صحافيين ونشطاء ومعارضين

اختراق خطير

كشفت حقيق دولي جديد « تسريبات إنتيلكسا   عن أنشطة واحدة من أكبر الشركات الإسرائيلية للهجوم السيبراني والمطورة لبرنامج التجسس « بريداتور  . ورغم عمل الشركة خارج إسرائيل وخضوعها لعقوبات أميركية، فإنها تواصل تقديم خدماتها لعملاء في دول عدة، من  بينها مصر والسعودية وباكستان، في عمليات ارتبطت بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. فقد أعلنت منظمة العفو الدولية أنها شاركت في هذا التحقيق الذي أجرته وصحيفة هآرتس ومجموعة أبحاث ، لافتة إلى أن الشركة الإسرائيلية واصلت بيع البرنامج رغم العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ عام 2024، بعد سنة فقط من تأسيسها. وتأسست شركة « إنتيلكسا » على يد الضابط السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، طال ديليان. واعتمد التحقيق على مواد مسربة من داخل الشركة لفترة تمتد بين 2018 و2025، كاشفا للمرة الأولى عن استخدام “بريداتور” في باكستان، إلى جانب زبائن آخرين ما زالوا يستخدمون خدماته في دول مثل كازاخستان ومصر والسعودية، وباكستان وأنغولا، أوزبكستان، وطاجيكستان. وتكشف تسجيلات وبيانات أخرى أن هناك بنية رقمية مرتبطة بالبرنامج في العراق أيضا، خصوصا في إقليم كردستان. ويُعد بريداتور أحد أكثر برامج التجسس خطورة في العالم: يمكنه اختراق أحدث إصدارات نظامي   واستخراج كامل محتوى الهاتف، وقراءة رسائل التطبيقات المشفرة، والتنصت على المكالمات، وتشغيل الميكروفون والكاميرا عن بعد، والوصول إلى الخدمات المتصلة بالهاتف. إلى ذلك، تكشف المواد المسربة وجود نظام « علاء الدين الذي يسمح باختراق هاتف الضحية عبر إعلان عادي دون أي نقر، وهو تطور بالغ الخطورة، إذ يعمل عبر شبكات الإعلانات الرقمية عبر إضافة إعلان خبيث. وبدأت خيوط التحقيق عندما تلقى محام باكستاني في مجال حقوق الإنسان رسالة واتساب من رقم مجهول انتحل صاحبُه صفة صحافي، وأرفق رابطا لتقرير بدا موثوقا، وتضمن ذكر اسم المحامي. لكن الرابط كان خبيثا ما كشف محاولة لاختراق هاتفه. ونقل المحامي الرابط إلى محققي العفو الدولية، الذين أجروا تحليلا جنائيا أكد وجود بصمات رقمية مألوفة لديهم وتشير إلى “بريداتور”. واتضح لاحقاً أن الرابط أُرسل أيضا إلى شخصيات سياسية في باكستان في محاولات مماثلة لاختراق هواتفهم. ورغم أن العفو الدولية لم تحدد الجهة المسؤولة عن استخدام النظام في باكستان، فإنها قالت إن المؤشرات « بالغة القوة » على أن الجهة حكومية، فيما أكدت مصادر أخرى داخل إسرائيل وخارجها أن الجهة هي باكستان نفسها. كما تؤكد التحقيقات وجود عملاء في دول أخرى

Laisser un commentaire

francais - anglais ..