×

( ملف عن الحركة الصهيونية (الحلقة 6

( ملف عن الحركة الصهيونية (الحلقة 6

Spread the love

تدّعي الصهيونية أنّ اليهود كانوا أول وأكثر ضحايا النازية، واستغلوا هذه الإشكالية لإقامة دولة يهودية في فلسطين المحتلة، باعتبار أنّ لهم الحق بالعودة المقدّسة إلى صهيون، وذلك وفق وعد إلهي مُفترَض يمنحهم مُلك فلسطين لكونهم شعب الله المختار حسب العقيدة التوراتية المزعومة. ولا زالت الصهيونية اليوم تبتزّ العالم متذرّعةً بتاريخ طويل من الاضطهاد الذي تعرّض له اليهود في الشتات، حيث تتوّج بالهولوكوست الذي تمّ تضخيمه والمبالغة فيه لاستغلاله في المشروع الصهيوني. لكنّ نظرة معمّقة للفكر والممارسات الصهيونية توضّح مدى التشابه والتقاطع بينها وبين النازية، لا بل تجاوزت الصهيونية بإرهابها وعنصريّتها كلّ الأفكار والأفعال  النازية

تعريف الصهيونية

 

تعدّدت التعريفات حول الصهيونية واختلفت باختلاف وجهات النظر التي تتناولها، فالباحثون الصهاينة اعتبروها حركة تحرير للشعب اليهودي، والدارسون المتعاطفون مع الصهيونية وصفوها بحركة سياسية دينية تسعى إلى تعويض اليهود عن الظلم والحرمان والاضطهاد، بينما ينظر إليها الباحثون العرب والمسلمون المناوئون لها على أنّها حركة استيطانية تهدف إلى تقتيل وتشريد الشعب الفلسطيني لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

وبناءً عليه، « هي حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين، بدعوى أنّها أرض الآباء والأجداد (إيريتس يسرائيل)، ورفض اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى للتحرّر من معاداة السامية والاضطهاد الذي وقع عليهم في الشتات »

 أنّها « حركة ظهرت في القرن التاسع عشر استجابة لمشكلات أوروبية، وقد استثمرت التراث الثقافي اليهودي والدعم الأوروبي فانتهت إلى إقامة دولة عنصرية في فلسطين، مرتكزة في إقامتها لدولتها هذه  الإجلاء والتوطين، إجلاء للفلسطينيين أصحاب الأرض وتوطين اليهود بدلاً عنهم

 أنّها حركة غربية إرهابية إفسادية إحتلالية، علمانية المنشأ ودينية الاتجاه، حيث استغلّت النصوص التوراتية وتعاليم التلمود والأساطير اليهودية الشرقية لإسباغ العقيدة على الدين. وهي تنتهج الرأسمالية الاستغلالية كمنهج اقتصادي قابض على العالم، وتقوم على فكرة التفوّق اليهودي إزاء عقدة النقص التاريخي، وترى فلسطين نقطة تعضّي وانطلاق للسيطرة على العالم، وتُعادي جميع الشعوب والأديان والحضارات. إنّها بعبارة واحدة إيديولوجيا ضدّ-إنسانية تسعى إلى العلوّ والإفساد وحُكم الأرض.

تعريف النازية

 

عرقٌ هو الأعلى سيقضي على الأعراق الضعيفة، لأنّ الحاجة الحيويّة تسحق الضعيف لإفساح المجال أمام الأقوى… ألا يبدو سخيفًا القول أنّ بالإمكان (جرمنة) صيني أو زنجي بمجرّد تعليمه اللغة الألمانية؟ هذه ستعطي نتائج عكسية، لأنّها تقضي باختلاط الألمان الحقيقيّين بالأجناس الوضيعة… »

يشكّل هذا الكلام – الذي أورده هتلر في كتابه « كفاحي » – أساس النازية، حيث يزعم أنّ العرق الآري الجرماني هو أسمى الأعراق، وينظر إلى سائر الاجناس على أنها أعراق أدنى من الآريين، الذين يحقّ لهم قتل واستعباد الشعوب الأخرى والسيطرة على العالم. وهنا يكمن جوهر النازية.

إنّ النازية – لغويًّا – تشكّلت من حروف الإسم المختصر للحزب الاشتراكي الوطني الألماني،  وذلك كرمز لغوي اشتقاقي يُشير إلى هذا الحزب. ولكن على مستوى المعنى الاصطلاحي « هي أيديولوجيا وممارسات سياسية شمولية يمينية متطرّفة مرتبطة بأدولف هتلر والحزب النازي في فترة ألمانيا النازية »

فالنازية مذهب فلسفي سياسي واجتماعي وأيديولوجي أحادي الاتجاه، وهي تقوم على منهج « ازدراء الحريّات والديمقراطية الليبرالية والنظام البرلماني. وتشتمل على الديكتاتورية، معاداة السامية، معاداة الشيوعية، معاداة السلافية، عنصرية علمية، سيادة الآريين، نوردية، داروينية اجتماعية واستخدام تحسين النسل »

إذًا النازية حركة إرهابية تدميرية، تشكّلت كردّ فعل غير عقلاني على هزيمة ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى والظروف الاقتصادية والاجتماعية المذلّة التي فُرضت عليها، وقد استغلّت الدين المسيحي رغم علمانيّتها لجذب المواطنين الألمان، وكذلك تمجيد التاريخ الألماني. وقد ألغت حق الشعوب بالوجود واعتبرتها أدنى من العرق الجرماني، وسعت إلى السيطرة على العالم قتلاً وتدميرًا وتحقيرًا للبشر.

وبنظرة سريعة إلى تعريفات النازية نجدها تتوافق مع تعريف الصهيونية، بل وتنطبق عليها في كثير من النقاط المشتركة. فكلاهما حركتان عنصريتان إرهابيتان، تعتقدان بأنّ الشعوب الأخرى وضيعة وحقيرة ولا تستحقّ الحياة، وهما تقومان على العنصرية والاستعلاء، وتسعيان إلى السيطرة على العالم وفرض إيديولوجيّتهما التسلّطيّة، كما استغلّتا الدين بالرغم من كونهما حركتَين علمانيتين توسّعيتين.

أسبقيّة الصهيونية على النازية

 

إذا تتبّعنا المسار التاريخي للصهيونية القديمة نجدها قد سبقت النازية بآلاف السنين، حتى الصهيونية الحديثة سبقت النازية بمئات السنين. فقد وردت لفظة « صهيون » لأول مرة في العهد القديم بين 1000 – 960 قبل الميلاد، وقامت حركة المكابيين بين 586 – 538 ق.م التي تلت السبي البابلي لتنادي بعودة اليهود إلى صهيون، وخلال القرن الأول الميلادي بين العامين 118 – 138 برزت حركة  باركوخيا لحثّ اليهود على التجمّع في فلسطين وتأسيس دولتهم اليهودية عليها، بعد ذلك دخل اليهود في حالة سبات تاريخي خلال شتاتهم إلى أن جاءت حركة دافيد روبين وسولومون مولوخ اللذَين سعَيَا إلى دعوة اليهود الأوروبيين للعودة إلى فلسطين وقيام مملكة إسرائيل (البُعد العقائدي)، وفيما بين العامين 1604 – 1657 م قام منشه بن اسرائيل بوضع النواة الأولى للخطط الصهيونية التي ألهمت الحركات الصهيونية التي جاءت بعده، وهو الذي وضع لها أسُسها السياسية مقنعًا البرجوازية الملكية البريطانية بها (البُعد السياسي). وبين العامين 1626 – 1676م ظهرت حركة سبتاي زيفي الذي أقنع اليهود في أوروبا بالاستعداد للعودة إلى فلسطين مستغلّاً العوامل النفسية والوجدانية (البُعد النفسي)، وبعد موته أتت حركة روتشيلد ومونتفيوري في بداية العام 1750 بقوة مالية ضخمة لتؤسّس الحركة الفكرية الاستعمارية الداعية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين (البُعد المالي)، وفي سنة 1882 تأسّست الحركة الصهيونية العنيفة بعد مذابح اليهود في روسيا لتمهّد لسلوك الانتقام والثأر اليهودي (البُعد السلوكي)، وبحلول العام 1890م تبلورت حركة أحبّاء صهيون التي قادها ليون بنسكر الذي أسّس « جمعيّة مساعدة الصنّاع والمزارعين اليهود في سوريا وفلسطين » للبدء بالهجرة الاستيطانية وإحياء اللغة العبرية (البُعد الاجتماعي)، وفي العام 1893 بدأ المفكّر الصهيوني الألماني ناثان برنباوم يستخدم مصطلح الصهيونية في كتاباته العلميّة ليكون مرجعًا فكريًّا للصهاينة (البُعد الفكري)، وأخيرًا وليس آخرًا، عقد تيودور هرتزل أول مؤتمر صهيوني عالمي سنة 1897م حيث تقرّر إقامة وطن قومي لليهود والسيطرة على العالم بدءًا من احتلال فلسطين (البُعد العملي).

وهكذا اكتملت عبر هذا المسار الزمني كلّ الأبعاد: العقائدية، السياسية، النفسية، المالية، السلوكية، الاجتماعية، الفكرية، والتطبيقية العمليّة للصهيونية. كلّ ذلك المسار استغرقته الصهيونية ولم يكن الحزب النازي قد وصل إلى حكم ألمانيا بعد. وقد أردنا من هذا السرد التاريخي السريع أن نثبت أنّ الصهيونية أسبق من النازية بزمن سحيق، بما فيها الصهيونية الحديثة بصورتها النهائية على يد هرتزل. كما إنّ الأفكار العنصرية والانتقاء العرقي والتفوّق النوعي، والتي هي أفكار النازية، كان قد وضعها سابقًا مفكّرون يهود أمثال: موسى هيس الذي وضع أسُس العنصرية اليهودية في كتابه (روما والقدس) عام 1862 أي قبل النازية بسبعين عامًا، وكذلك مارتن بوبر الذي كتب حول جذور الدم اليهودي.

لقد وضعت ألمانيا النازية قوانينها العنصرية الإلغائية العنيفة استنادًا إلى الأفكار الصهيونية، حيث أكّد القادة النازيون المعتقلون بعد الحرب العالمية الثانية أمام محكمة (نورنبيرغ) أنّهم استمدّوا القوانين النازية من الأفكار الصهيونية. وقد صرّح المنظّر النازي (يوليوس سترايشر) خلال محاكمته أنّ فكرة النقاء العرقي والتفوّق الآري، وخاصة عدم اختلاط الدم الجرماني بدماء الأعراق الأخرى، قد استلهمها من الصهونية واليهودية، حيث قال: « القوانين الصهيونية اليهودية، مثل عدم اختلاط الدم اليهودي بدماء الأغيار، هي التي اتخذناها نموذجًا (لقوانين نورنبيرغ). إنّه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها العرقية أن تستمر طوال قرون ». وقد أكّد كلام المنظر النازي (سترايشر) القاضي الصهيوني (حاييم كوهين)، الذي كان رئيسًا لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، فقال: « إنّ سخرية القدر أرادت أن تكون الطروحات العرقية والبيولوجية التي يتبناها النازيون، وكانت وراء قوانين نورنبيرغ، هي نفسها التي يُبنى عليها تحديد صفة اليهودية في إسرائيل ». كما إنّ فكرة التفوّق اليهودي كانت سابقة بعصور سحيقة لفكرة التفوق النازي، حيث  » يقول المفكرون الصهاينة أنّ الحاجة إلى إقامة وطن قومي يهودي قديمة، ظهرت بعد الأسر البابلي على يد نبوخذ نصر، وكذلك اعتقاد المتدينين اليهود أن أرض الميعاد (التسمية اليهودية لأرض فلسطين) قد وهبها الله لبني إسرائيل فهذه الهبة أبدية ولا رجعة فيها »  إذًا، الصهيونية لها الأسبقية على النازية، بل وكانت مُلهمة للنازيين في تأسيس النسق النازي وفي التفكير والتطبيق.

التقاطع والتشابه بين الصهيونية والنازية

 

كتب أبراهام بورغ أنّ « إسرائيل شبيهة بألمانيا عشية صعود النازية إلى الحكم، بحيث كان الشعب الألماني ناقمًا على العالم. وفي إسرائيل هناك شعور بالإهانة القومية الكبرى والهزيمة غير المبررة في الحروب، ونتيجة لذلك أصبحت العسكرة مركزية في الهوية »

وفي كتابه « لننتصر على هتلر » يتحدّث بورغ عن أنّ إسرائيل لم تنتصر على النازية بسبب سلوكها العنيف مع الفلسطينيين، بل تشبّهت بها وصارت تمارس جرائم الحرب والإبادة والعنصرية والنزعة العرقية الإسرائيلية، حيث يُضيف: « إنّ إسرائيل دولة عسكرية، وهي تتدهور في اتجاه الفاشية، وما تنفّذه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية هو جرائم حرب »

إذًا هذا المفكّر الإسرائيلي التمسَ خطر العدوانية الصهيونية، وحذّر من أنّها ستحمل نهاية إسرائيل تمامًا كما انتهت النازية بسبب أفعالها العدوانية. وتجدر الإشارة إلى أنّ كتابه يهدف إلى الابتعاد عن عسكرة المجتمع الإسرائيلي والقتل والمجازر وليس تشبيه الصهيونية بالنازية، لكنّنا نستنتج من كتابه تشابهًا عميقًا بينهما.

وأكّد فيلسوف النازية الفريد روزنبيرغ في كتابه « محاكمة اليهود في العصور المتغيرة »، على القواسم المشتركة بين النازية والصهيونية، حيث تأثرت – كما النازية – بفلسفة القوة النتشوية والأفكار اللاعقلانية العنصرية والعضوية والعرقية التي تصاعدت في أوروبا إبّان ظهور الفاشية كمذهب فلسفي وسياسي، أضف إلى ذلك أنّ الصهيونية تؤمن بنقاء العرق والدم اليهوديّين، علمًا أنّ اليهود لا يشكّلون عرقًا واحدًا متجانسًا.

وهناك مسارات أخرى تتطابق بها الصهيونية مع النازية، حيث إنّ النظام النازي قام بفعل الميلشيات الإرهابية مثل: كتيبة العاصفة ، ومنظّمة الخوذات الفولاذية، قوات الأمن الخاصة النازية ، وقوات الصدمة، حيث قامت بترويع الناس وتصفية كل معارضي هتلر، ثمّ تشكّلت جميعها فيما بعد بجسم الجيش الألماني وبدأت باجتياح الدول المتاخمة لألمانية وتسبّبت بالحرب العالمية الثانية. وعلى نفس المنوال قام الإسرائيليون بإنشاء العصابات الصهيونية الإرهابية مثل: هاغانا، أرغون، شتيرن، بيتار، بلماح. حيث ارتكبت المجازر بحق الفلسطينيين، وبعدها « تشكّل الجيش الإسرائيلي من اتحاد هذه المجموعات المسلّحة، قبل اثني عشر يومًا من إعلان قيام دولة إسرائيل »

إنّ الصليب النازي المعقوف والنجمة الإسرائيلية تمّ اختيارهما بالطريقة نفسها، فهما رمزان وثنيّان قديمان، ولكن مع استخدامهما في النازية والصهيونية أخذا معاني عنصرية وقومية وإرهابية. « فالصليب النازي المعقوف يعبّر عن العدوانية المداورة وكسر المألوف »  وكذلك « يرمز إلى الانحراف الدموي الاجتماعي والشذوذ الحضاري، والإتنية العنصرية للعرق الآري. أمّا مساره المروحي الدائري فيرمز إلى التوسّع والسيطرة »  وشكل النجمة الإسرائيلية هو الأقرب إلى شكل الصليب النازي المعقوف، من حيث تداخل الخطوط وحركة المسار الدائري الموارب، وتداخل مقاطع الرسم. فالشكل المداور والموارب في النجمة الإسرائيلية يعبّر عن الانحراف التاريخي والشذوذ الحضاري والثقافي لشعب إسرائيل. أما تداخل الخطوط فيمثّل العدوانية الصارخة والنزعة العنفية. والشكل المروحي يدلّ على السيطرة والتوسّع. كما إنّ التمركز المحوري للنجمة يدلّ على الإتنية العضوية لعنصرية إسرائيل الصهيونية. فالنجمة التي يتّخذها الصهاينة شعارًا لهم « مجن دود » لا علاقة لها بالنبي داوود، حيث يجمع الباحثون والمؤرخون على أنّ نجمة داوود المزعومة لا أصل تاريخي لها، وهي غامضة المنشأ، إذ لم يجدوا علاقة منطقية توضح ارتباطها بعقائد اليهود. كما اكتشف علماء الأركيولوجيا هذه النجمة منقوشة ومنحوتة داخل أهرامات الفراعنة، حيث تعود إلى استخدامات السحر عندهم. كما إنّ النجمة العشتارية عند البابليين كانت رمزًا للخصب والحياة، وأخذها اليهود عنهم بعد السبي البابلي وأضافو عليها بعض التعديلات.

الصهيونية بين الإلحاد والدين

 

لقد خلقت الصهيونية المُلحدة الكيان الإسرائيلي من خلال الدين، أي أنّها استغلّت الدين اليهودي والنصوص التواراتية والتلمودية المزعومة لتوظيفها في مشروعها الاستعماري. « إنّها عقيدة قومية، لم تولد من اليهودية بل من القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر »  كما إنّ مؤسّس الصهيونية (تيودور هرتزل) لم يكن مؤمنًا باليهودية، حيث قال: « إنّني لا أنقاد لدافع ديني، فأنا لستُ غنوصيًّا »  أي أنّه ملحد. لذلك كان راضيًا أن تقوم الدولة الصهيونية في أوغندا أو قبرص أو الأرجنتين أو موزمبيق أو الكونغو، لتحقيق أهدافه القومية. ولكن لم تلقَ فكرته رواجًا بين يهود أوروبا، بل قوبلت باعتراضات الحاخامات والمؤمنون اليهود الذين لم تغريهم تلك الدول ليقيموا على إحداها وطنهم، لذلك التفّ هرتزل على الفكرة وأعطاها طابعًا دينيًّا ليجذب يهود العالم إلى مشروعه على مبدأ: « إنّ فلسطين هي وطننا التاريخي الذي لا يُنسى، وإنّ هذا الإسم وحده سيظلّ صيحة لمّ الشمل القوية لشعبنا » . وهكذا نشأت الدولة اليهودية من تزاوج عقيدة الحاخامات والمؤمنين بأرض الميعاد مع الفكر الإلحادي المادي للمنظّرين السياسيين الصهاينة.

يقول المفكّر روجيه غارودي: « لقد كرّست الصهيونية تاريخ الهرطقة، وهو تاريخ يكمن في جعل الدين أداة للسياسة بإضفاء القداسة عليها عن طريق قراءة حرفية وانتقائية للكلام المنزّل »  فنحن نفهم من كتابه « الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية » أنّها سياسة ذرائعية، تجعل من الأساطير والميتولوجيات العقائدية ذرائع تبرّر ممارساتها وتنجز أهدافها. هذه السياسة تنفذها نخبة قيادية عند الإسرائيليين، معتمدة على حجج ودوافع أسطورية إيديولوجية تدغدغ آمال وأحلام الجماعات اليهودية لتكون مؤيّدة لتلك السياسات، فتتم عملية استدراجه وفق مخططات سياسية على خلفيات دينية وأسطورية ليتعبّأ عقائديًّا واجتماعيًّا وذهنيًّا وسياسيًّا نحو غاية واحدة هي تحقيق حلم « الأرض الموعودة للشعب المختار ».  أنّ علاقة السياسة الإسرائيلية بالأساطير اليهودية ليست علاقة ذرائعية فحسب، بل هي علاقة نمطية طبائعية غرائزية وجبرية، خاصة متى ما كنّا بصدد إدراك أثر الحاثات الغريزية الأولية اللاواعية في هذه السياسة. فأرض الميعاد وفق العقيدة الصهيونية واليهودية هي أرض اللبن والعسل، وهنا يتمّ التلاعب بالغريزة الحشوية ومبدأ اللذة. كما تمّ تصويرها على أنّها أرض الأمان مما يعني أنّها ستكون ملاذًا لليهود اللذين يعيشون حالة من القلق الوجودي في الشتات، كما جرى توصيفها بأنّها ستكون رمز قوة وبقاء واتحاد الشعب اليهودي ليكّون وحدة عضوية، وبالتالي تكون آلية تعويض نفسي عن عقدة النقص التاريخي والاضطهاد. إذًا، « هي علاقة سببية أيضًا، علاقة علّة بمعلول، وعلاقة تبادلية متسلسلة وأثرية، وهي علاقة غرائزية نفسية تقوم على توظيف الطاقة الحيوية لليهود في إقليم جغرافي مقدّس، مما يعني إسباغ العقيدة على السياسة، وكذلك إضفاء الغرائز الحيوية عليها »

إنّ أبا المفكرين الصهاينة « آحاد هعام »، الذي تبنّى وجهات نظر علمانية، كانت العقيدة اليهودية تحرّك فكره رغمًا عنه، والغرائز تسم نظرياته بميسمها. لقد تأثّر « آحاد هعام » بفلسفة لوك وهربرت سبنسر والنظرية الداروينية، وكان التأثير الأعمق متعلّق بنيتشه. فقدّم نظرية « السوبرأمة »، « الأمّة الخارقة » أو « الأمة المتفوّقة » القائمة على القوّة والإرادة، ونزع نحو العلمانية ونبذ الدين. لكنني أرى بجلاء ووضوح أنّ « آحاد هعام » كان أكثر المتأثرين بالإيديولوجية الدينية التوراتية، وأنّ أفكاره ونظرياته ليست سوى محاكاة لعلمانية الفلاسفة السابقي الذكر، دون أن يكون هو علمانيًّا خالصًا، لأنّ اليهودي التلمودي الأسطوري لا زال يعيش في أعماقه ويحرّك فكره. إنّه صهيوني تلمودي عقائدي متنكّر بزيّ العلمانية.

إنّ نظرية « هعام » حول الأمة الخارقة المتفوّقة، والتي تقتضي إرساء العضوية الإتنية للشعب اليهودي، ما هي إلا عقيدة الشعب المختار، ولكن بوجه فلسفي معاصر. كما إنّ حديثه حول « الذات القومية » ما هو إلا تعبير عن الوحدة الدينية المنغلقة التي كانت تجمع اليهود على اختلاف مشاربهم، وتجعلهم يشكّلون جماعة دينية منعزلة في المجتمعات التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها. وقد نادى « هعام » بالفكر القومي العضوي أو الوعي الإتني لليهود الذي يجب أن يعمّق الفوارق والفواصل بينهم وبين الشعوب الأخرى. وهذا دليل لا لبس فيه على الغرائز العدوانية والتفكير العنصري لديه. وفوق كل ذلك دعى « هعام » – صاحب الفكر العلماني – إلى تأسيس دولة يهودية في فلسطين كمركز عضوي للفولك (أي الشعب الإتني) لتأكيد الهوية اليهودية. أليست دعوة « هعام » هذه، هي عودة إلى أرض الميعاد؟! هل مصادفة أن يسمّيه « آرثر هرتزبرج » حاخام اللاأدري، لولا التماسه للمحرّكات الدينية في فكر « هعام »؟!

إذًا استغلّت الصهيونية الدين اليهودي لشحن قضية احتلال فلسطين بالعقيدة والعاطفة الدينية، وكذلك استفاد رجال الدين اليهودي من النزعة القومية العنصرية للصهيونية المُلحدة، وهذه العلاقة التبادلية الترابطية بينهما أنشأت دولة إيديولوجية هجينة، يُمكننا وصفها بالقومية الدينية، فالقومية تقوم على روابط الدم والعرق المشترك، لكنّ اليهود ليس لديهم عرق واحد ولا دم نقي، فهم ينتمون إلى أعراق وأجناس متعدّدة، إذا ليس هناك رابط وراثي جنوسي بين يهود الخزر واليهود الأوروبيين ويهود الفلاشة الأفارقة واليهود العرب. لذلك لا يوجد شيء اسمه القومية اليهودية، إنّها عصبة دينية عنصرية تدّعي صفاء الدم اليهودي، وبذلك إذا سلّمنا باستخدام مصطلح القومية اليهودية فهي تقوم على أساس العقيدة المنغلقة وليس على أساس الدم أو العرق، مهما حاولت الصهيونية إثبات وجود صفاء الدم ونقاء العرق اليهودي. أضف إلى ذلك الآليات النفسية واللعب على الغرائز اليهودية، التي ساهمت في تكوين جماعة واحدة من جماعات مختلفة، وجذبت يهود العالم من الشتات عبر توظيف الطاقة الحيوية للشعب اليهودي بموضوع نفسي يتمثل بفهوم أرض الميعاد.

إنّ الدراسة النفسية للصهيونية تحتاج إلى بحث طويل ومفصّل،  ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ النازية تصرّفت على غرار الصهيونية، من خلال استغلال الدين لتوظيفه في المشروع النازي. وعلى الرغم من المادية الإلحادية للقيادة النازية التي آمنت بالداروينية والنتشوية فقد استخدمت المفاهيم الدينية لنشر أفكار النازية وتوحيد الشعب الألماني حولها، حيث روّجت الدعاية النازية أنّ هتلر عندما كان يعيش في طفولته داخل الدير جاء إليه وحي يخبره أنّ القدر اختاره لإنقاذ ألمانيا، وأنّ المسيح أوحى إليه بشعار الصليب المعقوف، لذلك لم تنشأ حركة دينية كنسية ضدّ النازية في ألمانيا، بل دعمت الكنائس الألمانية مشروعه القومي العرقي. كما استغلّت النازية الشعارات الدينية الإسلامية لكسب المسلمين والعرب في حروبها. وكذلك فعلت الصهيونية، فهي لم تستغلّ الدين اليهودي فحسب، بل استغلت الدين المسيحي وأسّست لإنشاء الصهيونية المسيحية، وكذلك الصهيونية الإسلاموية، مما جعل الكثير من الحكومات المسيحية والإسلامية حليفة لها.

التحليل النفسي للصهيونية النازية

 

إنّ النخب اليهودية – من زعماء الحركة الصهيونية أو مؤسسي الدولة اليهودية والقيادات السياسية المتعاقبة في إسرائيل – لم يجعلوا من الأساطير والمبتدعات الدينية لديهم ذرائع وبواعث ليسوسوا الشعب ويخدعوه من أجل تحقيق أهدافهم ومآربهم. بل هم أنفسهم مؤمنون بتلك المفاهيم ومعتقدون بها أشدّ الاعتقاد، هنا جوهر المفارقة، حيث إنّ « يتودور هرتزل » الأب الروحي والمؤسِّس للصهيونية العالمية بدأ حياته أديبًا وصحفيًّا علمانيًّا يدعو اليهود إلى العلمنة ونبذ الأساطير، لكنه سرعان ما نكص على عقبيه وصار من أشدّ المحرّكين للعقائد والغرائز اليهودية. فقد أنشأ « حركة سياسية استعمارية أسبغت على اليهود صفة القومية والانتماء العرقي، ونادت بحل ما أسمته المشكلة اليهودية، وعارضت اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية، ودفعتهم للهجرة إلى فلسطين زاعمة أنّ لهم فيها حقوقًا تاريخية ودينية ». هذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على مدى عمق وفعالية المحرّك الإيديولوجي، الذي تحييه وتشحذه الغرائز الأصلية والعقيدة الدينية في اللاوعي الجمعي لليهود وذاكرتهم التاريخية، حيث عاشوا عقدة الاضطهاد والنقص، وتكوّنت في وعيهم الجماعي الرغبة بالانتقام من كل الشعوب.

« منذ التاريخ السحيق والعالم يسيء فهمنا. فعاطفة التضامن التي كثيرًا ما نالنا التأنيب بسببها كانت آخذة في التحلل في نفس الوقت الذي تعرّضنا فيه للعداء للسامية. ولقد ساعد العداء للسامية على تقويتها من جديد، وعدنا إلى بيتنا (الغيتو) لأن الصهيونية هي العودة إلى الحياة اليهودية قبل أن تكون عودة إلى الأرض اليهودية. إنّنا نحن الأبناء الذين عدنا، نجد الكثير الذي ينبغي تقويمه تحت سقف أجدادنا، لأن كثيرًا من أخوتنا قد انحدروا إلى قاع البؤس والشقاء » (هرتزل، 1897). هذا مقطع من خطاب سياسي متكامل لهرتزل، حيث اعتُبِر اللبنة الأولى والأساسية لتأسيس الدولة اليهودية. لقد بات بإمكاننا أن نستدلّ على المحتوى الاجتماعي والطابع التاريخي والإطار الثقافي والاتجاه السياسي والمنحى العقائدي في هذه الفقرة. ولكن يبقى المضمون الغرائزي النفسي الكامن عصيًّا على الاستدلال والملاحظة، مما يستدعي البحث خلف تلك الأفكار وتحليل رمزيتها ودلالاتها النفسية.

إنّ المحتوى الإجتماعي لهذه الفقرة من خطاب هرتزل يتجلّى في « عاطفة التضامن » التي تحدّث عنها، فهي تعكس طبيعة هذا الشعب الذي لم يتلاءم مع الشعوب الأخرى وظلّ يحلم بالتئام شمله لكونه الشعب المختار، وكذلك يتجلّى الجانب الاجتماعي في مفردات « التأنيب والعداء » الذي تعرّض له اليهود في بلاد الشتات مما يعكس عدم الاستقرار والقلق الوجودي. أما الطابع التاريخي فيتمظهر في كلمات مثل « التاريخ السحيق والعودة إلى الأرض وسقف الأجداد » وهذا واضح وبيّن. في حين نرى الإطار الثقافي يبدو جليًّا في عبارات من قبيل « عداء السامية، الغيتو، نحن الأبناء وإخوتنا »، مما يدلّ على ثقافة هذا الشعب أو جانب منها كأفكارهم حول مفهوم السامية وتسمية أنفسهم بالأبناء لأجداد عظام تكفل لهم الأخوية العنصرية داخل الشعب المختار. بيد أنّ الاتجاه السياسي في هذا المقطع الخطابي يتمثل بمشروع « العودة إلى أرض الميعاد » وتأسيس الدولة وبنائها، وكذلك في فكرة شعب الجيتو. إضافة إلى المنحى العقائدي الذي يتجسّد في كلمات مثل « الصهيونية، الأرض اليهودية، عودة إلى الأرض وسقف أجدادنا » فالصهيونية منسوبة إلى جبل صهيون المقدس في أورشليم والأرض اليهودية هي أرض الميعاد كمعتقد ديني، والعودة إليها هي وعد الإله يهوا لشعبه المختار. كما إنّ نعت الدولة باليهودية (نسبة إلى الديانة اليهودية) وتسميتها دولة إسرائيل (تيمّنا بنبيهم) ووضع النجمة في وسط العلم (نجمة داوود المزعومة)، كلّها أمور تدلّ على مدى تأثير العامل العقائدي في نشأة هذه الدولة. إنّ هذه المسائل جليّة نتفق عليها دون مناقشة أو جدال أو تساؤلات، لكن المضمون الغرائزي الكامن فيها ليس ظاهرًا، بل مستترًا ويستدعي جهدًا لاكتشافه.

في حقيقة الأمر، ترسم الفقرة السابقة من خطاب هرتزل لوحة نفسية رمزية لليهود، بخطوط وخلفيات غرائزية خبيئة وخفيّة مما يتطلب تفكيك الرموز وإعادة تجميعها من جديد بما يتوافق مع دينامية العمل النفسي، وتحليل دلالاتها وأبعادها وإدراك الرابط بينها وبين الغرائز اليهودية. إنّ تعبير « التاريخ السحيق » المستخدم في الخطاب ينطوي على رمز جوّاني عميق له علاقة بالذاكرة السلالية لليهود، وتحديدًا لاوعيهم الجمعي. وعبارة « عاطفة التضامن » تحوي غريزة التجمع والاتحاد، وتدلّ على الهوامات المحركة لهذا الشعب لكي تتساوق دوافعه وينخرط في مجتمع موحّد يمثل الجماعة الهوامية الأمومية التجريدية الرمزية. كما إنّ جُمَل مثل « العالم يسيء فهمنا والتأنيب والعداء للسامية » تشير إلى عقدة الاضطهاد لدى اليهود والحاجة إلى الاعتبار وتحقيق الذات الجماعية، وكذلك تشير إلى تبرير ذرائعي لإطلاق مركّبات الغريزة العدوانية لديهم. « وعدنا إلى بيتنا » هذه الكلمات التي وصف بها هرتزل الجيتو اليهودي، لهي خير معبّر عن حاجات الأمن والاستقرار. كما إن استخدامه للفظ « بيتنا » تنسجم مع تفسيري الاجتماعي لليهود باعتبار أنفسهم عائلة الإله يهوا (الشعب المختار). فالبيت والجيتو والأرض اليهودية كلها مفردات تتعلق بالأزمة الموقفية من مفهوم الأمومية الميتافيزيقية (أرض الميعاد)، أما تعبيره « الحياة اليهودية » فهو تعبير حيوي يحمل في طيّاته إشارة إلى الدينامية النفسية والحياة الغرائزية لليهود. ونجد عبارات من قبيل « الأرض اليهودية، نحن الأبناء، سقف الأجداد، أخوتنا، بيتنا » تخطط ملامح الغريزة الجنسية لليهود بمعناها السلالي التكاثري، أي الغريزة النسلية التي تصبّ في غريزة البقاء واستمرار هذا الشعب وديمومته. ولا يعوزنا دليل أو تفسير هنا لفهم الارتباط الغرائزي بين اليهود و « الأرض اليهودية »، قصداً من هرتزل أرض الميعاد.

وهكذا فكّكنا محتويات هذه الفقرة الخطابية لهرتزل، وكشفنا دلالات رموزها التعبيرية، وأوّلناها وربطناها بمنشئها الغرائزي. يبقى علينا الآونة أن نعيد صياغتها ضمن ترجمتها إلى لغة نفسية، فتصير كما يلي: « في أعماق الذاكرة السلالية للاوعينا الجمعي نحمل ذكرى ومشاعر الاضطهاد والنبذ من قبل العالم. فغريزة التجمع لشعبنا المختار التي كثيرًا ما نالنا بسببها عدوانية الشعوب الأخرى، كانت آخذة في التحلل والضعف في نفس الوقت الذي تعرّضنا فيه للتمييز العنصري الديني والعرقي. هذا العداء للسامية قوّى غريزة التجمع لدينا وفعّل فينا حاجات الأمن الوجودي والاستقرار وتحقيق ذاتنا المختارة وإعادة الاعتبار الحضاري لنا. لقد انطلقت غرائزنا التدميرية والعدوانية لنحقق الثأر الوجودي والانتقام الإيديولوجي من الشعوب الأخرى. ستدفعنا غريزة البقاء والحياة (إيروس) – إنطلاقًا من دينامية حياتنا النفسية – إلى أرضنا الأم حيث الحضن الوجودي الذي سيضم شعبنا المختار بعد شتاته. إنّ غريزتنا الإنسالية ستؤمّن لجنسنا التمايز والتفوّق على الآخرين، لذا سنعود إلى أرض الميعاد (الأم) التي وهبها لنا يهوا (الأب الميتافيزيقي الأكبر)، مدفوعين بمبدأ البحث عن اللذة ومبدأ تجنّب الألم. مما يكفل لنا تفعيل نزواتنا التسلطية والعدوانية وميولنا نحو السيطرة والاستعلاء لنعوّض نقصنا التاريخي ».

هذه هي الترجمة النفسية للفقرة الخطابية لهرتزل، فالغرائز النفسية الصهيونية هي المادة الكامنة الخفية والمستترة خلف التركيب العقلي للخطاب السياسي، والتي تترمّز بألفاظ ومفردات لغوية وأفكار وعقائد، إلّا أنّ السيرورات الغرائزية حاضرة في هذا الفكر السياسي. وتجدر الإشارة إلى الدوافع والآليات النفسية المحرّكة للصهيونية تتشابه مع مثيلاتها في النازية، حيث أنّها قامت على نزعات غرائزية تدميرية عدوانية، وقامت على الانتقام وإلغاء الآخرين وعقدة التفوّق. فالنازية هي ابنة الصهيونية، التي ورثت عنها كل الصفات والسمات والأفكار والإيديولوجيا والأهداف.

  المشترك بين النازية والصهيونية

 

اتسم التحول المضطرب الذي شهدته أوروبا منذ الثورة الفرنسية في 1789 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945، منذ تفكك التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية الإقطاعية حتى تبلور التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية الرأسمالية، ببروز المسائل القومية والدول القومية والأحزاب العمالية. ومن أتون فترة التحول تلك برز عدد من الحركات الرجعية الشوفينية القومية المتشددة. تركز هذه الدراسة على اثنتين منها: النازية والصهيونية. ولدت الحركة النازية، وهي حركة عنصرية رجعية قومية تعتمد العنف والدعاية الشعبوية، في ألمانيا بعيد الحرب العالمية الأولى، في بلد مهزوم ومدمر اقتصادياً. ففي ظل «جمهورية فايمار»‏ نبتت العنصرية المنظمة على نمط النازية، مستفيدة، من جملة عوامل أخرى من الإصلاحات الديمقراطية الفضفاضة والحاجة الشعبية إلى انتعاش اقتصادي سريع ومن الإملاءات والأعباء التي فرضتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على الاقتصاد والسيادة الألمانية.

لم تكن المنجمعات اليهودية في شرق أوروبا ووسطها بمنأى عما شهدته أوروبا إبان عصر الأنوار الذي ساد أوروبا بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، إذ عمل كثير من اليهود على هدم جدران الغيتو الذي بات جزءاً من منظومة اجتماعية – اقتصادية عفّى عليها الزمن. تمثل «الهاسكالاه» مشاركة اليهود في تيار التنوير(تعني كلمة هاسكالاه  في اللغة العبرية: ثقافة، تعليم، بلوغ الذكاء أو استخدام العقل)، لقد أدت «الهاسكالاه»، من بين ما أدت إليه، إلى انفتاح الغيتو الهش على محيطه وبالتالي إلى اندماج اليهود في الوسط المحيط كما أدت إلى ظهور الصهيونية. لم تعد الصهيونية كونها موقفاً رجعياً لم يحظَ بدعم كبير داخل المنجمعات اليهودية؛ موقف استفاد من عنصرية المجتمعات الأوروبية وفي كثير من الأحيان تعاظم بسببها، وبسبب فقر أغلب اليهود، وبسبب مصالح الأنظمة الرأسمالية حديثة التأسيس التي كانت تعد العدة للانقضاض على الشرق الغني الضعيف. يُذكر ياكوف رابكن أن الصهيونية سارت في نفس درب التيارات القومية الأوروبية:

«… تقتدي الصهيونية بالتيارات القومية العضوية في وسط أوروبا وشرقها حيث سعى القوميون إلى إنشاء دول، وأرسوا الأسس القانونية والسياسية لدول باتت موجودة، فصار للارتباط بالخصائص الإقصائية للتيارات القومية الألمانية أو البولندية أو الأوكرانية أثر بعيد المدى على الحركة الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي»‏. لم تكن النازية التيار الأساسي في المجتمع الألماني، وحتى عندما أمسك الحزب النازي بدفة الحكم تعيَّن عليه إقامة تحالف برلماني يعطيه أغلبية بسيطة إلى أن جاء انقلاب هتلر في عام 1933. الصهيونية أيضاً لم تكن التيار الأساسي في المنجمعات اليهودية، فقد كانت أقلية منبوذة من جانب التيارات اليهودية العلمانية والدينية على حد سواء، وهو ما يشهد عليه روبرت روكواي في مقاله على موقع المنظمة الصهيونية العالمية على الشبكة العنكبوتية: «كانت الصهيونية وجهة نظر الأقلية من الشعب اليهودي. كانت تلهب الشباب، وفي نفس الوقت تقوّض سلطة الآباء الذين كانوا يحاولون البقاء. كانت الصهيونية مُنتقَدة من جانب القادة كما كانت تمثل تحدياً للقيادة التقليدية في منجمعات الشتات

رغم عدم وجود أي ولاية قانونية أو دعم شعبي يخول الصهيونية تمثيل يهود العالم فهي استمرت في تطوير مخططاتها وعقد مؤتمراتها والعمل على نقل اليهود المضطهدين في أوروبا إلى فلسطين. يصف المفكر الصهيوني زئيف شتيرنل الذهنية الصهيونية بهذه العبارات:

«لم يكن يعني تماهي أقلية من الشعب اليهودي مع الصهيونية خضوع الحركة الصهيونية للأغلبية، بل وجوب أن تقود الأقلية التيار في الاتجاه الصحيح»‏ وفي ذلك تعبير عن الدلالات الضمنية لمقولة ثيودور هيرتزل الحالمة الصارمة الشهيرة في وصف المجهود الصهيوني: «ليس الأمر أسطورة ما دامت لديكم الإرادة!

 في العلاقات بين الحركة الصهيونية والرايخ الثالث

أقام النظام النازي صلات وثيقة مع نظام موسوليني الفاشي في إيطاليا ونظام فرانكو الفاشي في إسبانيا؛ إذ أسهم التقارب الفكري في تسهيل التعاون والقبول المتبادل بين تلك الأنظمة، علاوة على وجود مصالح مشتركة بينها. ينطبق الأمر كذلك على وضع نظام «إسرائيل» الصهيوني الذي حافظ على علاقات متينة مع نظام الفصل العنصري البائد (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا حتى آخر يوم في عمر هذا الأخير. وينطبق الأمر كذلك على الصفقة الآثمة التي أبرمها الصهاينة مع النازيين لإعطاء دفعة قوية لاقتصاديهما.

جمعت بين النازية والصهيونية مصلحة مشتركة دفعتهما في عام 1933 إلى توقيع «اتفاق النقل» أو (الهاعفاراه:’ النقل). سعى النظام النازي حينها إلى كسر طوق المقاطعة اليهودية للمنتجات الألمانية في بريطانيا والولايات المتحدة حيث هاجر أغلب اليهود الأغنياء؛ وإلى طرد اليهود الألمان واستجلاب منفعة اقتصادية، بينما سعت الصهيونية إلى جلب أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين وإلى تعزيز قاعدتها المادية والاقتصادية. يشرح إدوين بلاك في مقابلة أجريت معه بمناسبة مرور 25 عاماً على نشر كتابه اتفاق النقل : القصة الدرامية للاتفاق المبرم بين الرايخ الثالث وفلسطين اليهودية اتفاق النقل كما يلي

«نسج الألمان والصهاينة الفكرة على النحو الآتي: تُباع البضائع الألمانية، وعند بيعها يتم الحصول على المال. ضمن تلك الترتيبات المعقدة يقوم اليهودي الموجود في ألمانيا بإيداع ما لديه من أصول وممتلكات منزلية في مصرف خاص أطلق عليه اسم «بالترو» ، مقابل هذا المصرف تم إنشاء مصرف آخر في فلسطين أطلق عليه اسم «المصرف الأنغلو – فلسطيني»  . ما إن يتم إيداع الأموال في المصرف الألماني، تحصل المنظمة الصهيونية على بضائع ألمانية وتقوم ببيعها في الشرق الأوسط وبخاصة في فلسطين. بعد بيع تلك البضائع يتم إيداع عوائدها النقدية في المصرف الأنغلو – فلسطيني الذي يقوم بدوره بتقديم الأموال لليهود من أجل الالتفاف على القيود المالية التي وضعها البريطانيون على قدوم اليهود إلى فلسطين. تمكن النازيون من خلال هذه العملية من إعادة بناء اقتصادهم وكسر طوق المقاطعة المفروض على منتجاتهم، إذ إنه من المستحيل نقل اليهود إلى فلسطين بالتزامن مع بيع منتجات ألمانية ومقاطعة تلك المنتجات في نفس الوقت. بموازاة ذلك تم إنشاء البنى التحتية لفلسطين اليهودية؛ فكانت الأنابيب الناقلة ومصانع الجعة والبيوت والسيارات والحافلات جميعها ألمانية الصنع، وقد أثار استغرابي وجود الكثير من منتجات مرسيدس – بنز عند زيارتي لـ«إسرائيل» أول مرة». هكذا استفادت النازية من طرد اليهود، بينما استفادت الصهيونية من ذلك بالاستثمار في «شعب» دولتها المستقبلية وفي بناها التحتية. أسدت هذه العملية التي أنتجت أموالاً ومهاجرين يهود خدمة للصهيونية، بخلقها واقعاً جديداً في فلسطين من خلال فرض المزيد من الهجرة اليهودية وتحويل اقتصاد فلسطين الزراعي إلى اقتصاد صناعي يسيطر عليه الصهاينة:

«… إن الهجرة كانت، في الوقت الذي تحرص فيه على تأمين تمركز رأسمالي يهودي في فلسطين يهيمن على عملية تحول الاقتصاد «الفلسطيني» من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي، فإنها كانت تحرص أيضاً على تزويد هذا التحول ببروليتاريا يهودية، وكان لهذا السلوك، الذي أعطى نفسه شعار «اليد العاملة اليهودية فقط» نتائج خطيرة، إذ إنه ساق بسرعة لا مثيل لها نحو بروز الفاشية في مجتمع المستوطنين اليهود». تجدر الإشارة إلى أن البروليتاريا كانت بوجه عام مكونة من المهاجرين اليهود من الإمبراطورية الروسية السابقة أكثر من المهاجرين اليهود الألمان. قلائل هم اليهود الذين كان لديهم ما يكفي من الأصول لتغطية مبلغ الألف جنيه المطلوب من جانب السلطات الانتدابية البريطانية، للسماح لهم بالقدوم إلى فلسطين كـ «مهاجرين رأسماليين» في الواقع لم تكن السلطات البريطانية راغبة في منع تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بل كانت ترغب بالأحرى في تنظيمها وحسب.

كانت الحركة الصهيونية في تلك المرحلة بحاجة ماسة إلى موارد مالية وإلى قاعدة مادية من أجل استمرارية مشروعها في فلسطين، وجاء اتفاق «الهاعفاراه» مفيداً لتحقيق تلك الغاية، لذا وضعت القيادة الصهيونية نفسها بكل تعاملية براغماتية تحت إمرة القتلة النازيين من أجل جلب بعض اليهود إلى فلسطين، دون إلقاء بال إلى الفقراء من اليهود الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من المال المطلوب من جانب السلطات الانتدابية البريطانية في فلسطين. لم يكن لدى الصهيونية أي مشكلة في عقد الأواصر مع النظام النازي ما دام ذلك يعني أن بقية اليهود الألمان – أو جزءاً كبيراً منهم – ستصبح يداً عاملة ماهرة تستطيع دفع تكاليف الرحلة نحو بلد قيد الاستعمار والتطهير العرقي. إن ذلك الخيار غير أخلاقي البتة حتى لو كان رأي السيد بلاك مغايراً كما صرح في المقابلة التي أجريت معه بمناسبة مرور 25 عاماً على كتابه الآنف الذكر: «إنها صفقة مع الشيطان، لا مع الملائكة، إنها صفقة مع من يريدون قتلك. لذا فإنهم [الصهاينة] عندما ينقذون يهودياً، يكونون بذلك مساهمين في دفع عجلة الاقتصاد النازي، ليس ذلك فحسب؛ فثمة اتجاهات أخرى لم أكتب عنها قط. غير أن اليهود كانوا مرغمين على إنقاذ اليهود بهذه الطريقة. لقد كان خياراً فظيعاً ألقي على كاهل الصهاينة، لكنك لا تلوم الرهينة عندما يكون المسدس مصوّباً نحو رأسها». لعل أحد الاتجاهات التي لم يكتب عنها السيد بلاك، تتلخص في قول دايفيد بن غوريون «لو علمت أنه من الممكن إنقاذ كل الأطفال اليهود في ألمانيا من خلال نقلهم إلى إنكلترا، وأنه يمكن إنقاذ نصفهم فقط من خلال نقلهم إلى أرض «إسرائيل»، لكنت اخترت الأمر الثاني، إذ لا تمثل أمامنا مسألة عدد أولئك الأطفال فقط، بل مسألة الاعتراف التاريخي بشعب إسرائيل.

ثانياً: النصوص المؤسسة

 المنطلقات النازية والصهيونية

لتوضيح المنظور الذي ترى من خلاله كل من النازية والصهيونية نفسيهما و«الآخر»، يستعرض الكاتب أدناه ميثاق الحزب النازي أو ما يعرف ببرنامج النقاط الـ25 للحزب النازي، ومن ثم سيستعرض دستور المنظمة الصهيونية العالمية وبعض أهم القوانين والممارسات الإسرائيلية بأسلوب مقارن لإبراز التماثلات الجوهرية بين النازية والصهيونية

تنص النقطة الأولى في برنامج النقاط الـ25 للحزب النازي على ما يلي

 ندعو إلى وحدة جميع الألمان ضمن ألمانيا واحدة كبرى على أساس حق الشعوب في تقرير المصير»‏

يماثل ذلك، الفقرة الأولى من المادة الثانية من الفصل الأول من دستور المنظمة الصهيونية العالمية الذي تنص على ما يلي

«تم تحديد البرنامج الصهيوني في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل كما يلي: «تهدف الصهيونية إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في أرض «إسرائيل» بما يضمنه القانون العام

وتنص الفقرة الثانية من المادة نفسها على

← «ينص برنامج القدس، كما حدده المجلس الصهيوني العام عام 2004، على أن: «الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي المؤسسة لدولة «إسرائيل»، وهي ترى أن دولة «إسرائيل» اليهودية الصهيونية الديمقراطية الآمنة تعبير عن مسؤولية الشعب اليهودي المشتركة حيال استمراريته ومستقبله»»‏.

تشير الفقرة الثانية إلى الأسس الستة للصهيونية، الأساسان الأولان هما

وحدة الشعب اليهودي وارتباطه بأرض «إسرائيل» وطنه التاريخي ومركزية دولة «إسرائيل» والقدس عاصمتها في حياة الأمة

 «الهجرة من كل البلدان والدمج الفعّال لكل المهاجرين في المجتمع الإسرائيلي

بناء على ما تقدم يمكن استنتاج الآتي

 تسعى كل من النازية والصهيونية إلى إقامة كيان خاص بها، «وحدة جميع الألمان» أو اتحاد بالنسبة إلى النازية، و«وحدة الشعب اليهودي» و«هجرة اليهود» بالنسبة إلى الصهيونية

 تسعى كل من النازية والصهيونية إلى تأمين غطاء قانوني ما؛ فالنازية لجأت إلى مصطلح «تقرير المصير»، أما الصهيونية فلاذت بمصطلح «القانون العام» في إشارة منها إلى القانون الدولي

 حدود الكيانين غير واضحة، فالنازية ترمي إلى «ألمانيا كبرى»، والصهيونية إلى «وطن قومي» غامض في «أرض «إسرائيل»» المثيرة للجدل، وهو ما يفيد بوجود أطماع توسعية لديهما

تفيد النقطة الرابعة من برنامج الحزب النازي بأن

«أبناء الوطن فقط هم من يمكنهم أن يكونوا مواطنين في الدولة. أبناء الوطن هم فقط أصحاب الدم الجرماني بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، وبالتالي لا يمكن لأي يهودي أن يكون من أبناء الوطن

تعمد الصهيونية هنا إلى التمويه، لكن التمعن في القوانين الإسرائيلية يبين أنها ليست مختلفة جوهرياً، فبموجب قانون المواطنة الإسرائيلي لعام 1952 يحصل على الجنسية الإسرائيلية فقط من خلال: العودة والإقامة في «إسرائيل» وبالميلاد وبالتجنيس. في هذا السياق، تعد العودة والإقامة في «إسرائيل» نقطتان جديرتان بالتحليل

أ – العودة

في الفقرة الثانية من هذا القانون تُفسر «العودة» بما يتفق مع أحكام «قانون العودة». وبموجب الفقرة الأولى من «قانون العودة

«يحق لكل يهودي القدوم إلى «إسرائيل» كمهاجر

في 1970 تم تعديل القانون بإضافة مادة تعرّف كلمة «يهودي» كالتالي

الفقرة 4 – ب: «لغايات هذا القانون يقصد بـ «اليهودي» كل من ولد لأم يهودية أو من اعتنق اليهودية ولم ينتمِ لدين آخر»‏

الفقرة 4 – أ (أ) «تمنح حقوق اليهودي بموجب أحكام هذا القانون، وحقوق المهاجر بموجب أحكام قانون الجنسية 5712 – 1952 (2) وكذلك حقوق المهاجر بموجب أي تشريع، لأبناء وأحفاد اليهودي ولأزواج أو وزوجات أبناء اليهودي وزوجات أو أزواج أحفاده، باستثناء اليهودي الذي بدل دينه طواعية

ب - الإقامة في «إسرائيل»

تتضح مسألة الإقامة في «إسرائيل» بعد تحليل القانونين التاليين؛ قانون الدخول إلى «إسرائيل» (1950) وقانون المواطنة والدخول إلى «إسرائيل» (الأمر المؤقت 2003). بموجب قانون الدخول إلى «إسرائيل» يمكن دخول «إسرائيل» فقط بتأشيرة دخول  لكن قانون المواطنة والدخول إلى «إسرائيل» (الأمر المؤقت) ينص على:

«خلال فترة سريان هذا القانون، وبصرف النظر عن أحكام أي قانون، بما في ذلك المادة 7 من قانون المواطنة، لا يمنح وزير الداخلية المواطنة لأي مقيم في المناطق وفقاً لقانون الدخول إلى «إسرائيل»، كما لا يمنح قادة المناطق سكان المناطق تصاريح إقامة في «إسرائيل» عمـلاً بتشريعات شؤون الدفاع في المناطق»‏

تعرّف المادة الأولى من قانون المواطنة والدخول إلى «إسرائيل» (الأمر المؤقت) «المناطق» على أنها:

كل من يهودا والسامرة وقطاع غزة

وتعني «يهودا والسامرة» في المصطلحات الإسرائيلية التوراتية: الضفة الغربية. أما «سكان المناطق» فهم بموجب القانون نفسهمن يعيشون في المناطق ولكنهم غير مسجلين في «سجل سكان المناطق» ويستثنى من ذلك سكان التجمعات الإسرائيلية في المناطق»‏

وأصبح تعريف «سكان المناطق» بموجب تعديل عام 2005

«المسجلون في سجل سكان المناطق ومن يعيشون في المناطق حتى من دون أن يكونوا مسجلين في سجل سكان المناطق، ويستثنى من ذلك سكان المستوطنات الإسرائيلية في المناطق

ثمة إضافة إلى ما تقدم، تعديل مهم لقانون «سجل سكان المناطق» لعام 1965 متعلق بهذه القضية وينص على أن

أ – لن يتم تسجيل أي شخص كيهودي من حيث الانتماء الإثني أو الديني في حال ورود ما يشير أن ذلك الشخص ليس يهودياً وفقاً لهذا القانون أو لبيانات السجل أو لوثيقة رسمية، إلا إذا وردت بيانات أو وثائق رسمية تنفي أن الشخص ليس يهودياً، بما يرضي مسؤول السجل، أو إذا ورد حكم تفسيري من محكمة مختصة يفيد بعكس ذلك.

ب –  لغايات هذا القانون والتسجيلات والتوثيقات، يقصد بـ«اليهودي، ما ورد في المادة 4 – ب من قانون العودة 5710 – 1950»‏.

وعليه:  تقول النازية بفجاجة إن ذوي الدم الجرماني هم وحدهم من يحق لهم يكونوا مواطنين، وإن اليهود (من بين غيرهم من ضحاياها) غير مرغوب فيهم

 تقول الصهيونية بصورة ضبابية إن اليهود وحدهم من يحق لهم حمل جنسية دولتها («إسرائيل»)، وتعتبر فلسطينيين الضفة الغربية وقطاع غزة – الذين طرد أغلبهم تحت إطلاق النار من الأراضي التي احتلها النظام الصهيوني أيضاً غير مرغوب فيهم

 الألماني عند النازية هو صاحب الدم الجرماني، بينما اليهودي لدى الصهيونية ذاك المنحدر من أصل يهودي، مع العلم أن اليهود ليسوا شعباً بل منجمعات دينية – ثقافية. وهكذا تثبت الصهيونية أنها تتسم بالقدر نفسه من «التمييز العنصري» كالنازية

 في داخل «إسرائيل»، ليس الشخص نفسه من يقرر أنه يهودي، إنه النظام من يقرر ذلك. والأمر سيان لدى النظام النازي. تتعمد الصهيونية مع سبق الإصرار والترصد الإمعان في الممارسة العنصرية من خلال التعديلات المتتالية لقوانينها

 تكمن الصهيونية في نقل اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية تدعى «إسرائيل»، و«إسرائيل» ما فتأت تثبت وتجاهر بأنها تتصرف على أساس فكري صهيوني

ثالثاً: الممارسة التنظيمية – الاجتماعية

 الجوهر العسكرتاري للنازية والصهيونية

 

قام الحزب النازي الذي أسس عام 1920 ليخلف حزب العمال الألماني (الذي أسس عام 1918) بتأسيس فصيل إرهابي حمل اسم «فرقة الهجوم» ) قبل أن يتم استيعاب ذلك الفصيل في صفوف «الأس أس» ( وحدة الحماية) السيئة الذكر عام 1929. لا مراء في أن العنف والإرهاب متخللان جذريان في ممارسات النازية، ضد الخصوم الداخليين أو الخارجيين كما تبين ذلك الوقائع التاريخية وتوثقه. في الحالة الصهيونية، قامت أول مجموعة إرهابية مسلحة في عام 1907، أي بعد مرور عشر سنوات على تأسيس الحركة الصهيونية، وسميت «بار جيئورا» نسبة إلى سيمون بار جيئورا، قائد ما يسمى «ثورة اليهود ضد الرومان». بعد ذلك بعامين تم استيعاب «بار جيئورا» في صفوف منظمة «هاشومير» الإرهابية (هاشومير  الحارس). كان شعار منظمة هاشومير يحمل العبارة التالية:  بدم فيإيش يهوداه نفالاه، بدم فيإيش يهوداه تقوم  بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار ستقوم حلت بعد ذلك منظمة «الهاغاناه» (هاغاناه:  الدفاع) محل منظمة هاشومير لتصبح أكبر منظمة إرهابية في فلسطين منذ 1920‏ولاحقاً المكون الرئيسي لجيش الدولة الصهيونية. ارتكبت الهاغاناه ومنظمات إرهابية صهيونية أخرى (إيتسل وليحي) قائمة طويلة من المجازر في حق الشعب الفلسطيني، كما وهجرت 750,000 فلسطيني وفلسطينية تحت إطلاق النار. يصف آلن كونينغهام المفوض البريطاني السامي في فلسطين احتفالات أعضاء المنظمات الصهيونية الإرهابية بـ «انتصاراتهم» على المدنيين الفلسطينيين العزل، بأنها تشبه احتفالات النازيين‏

لا تجد الوكالة اليهودية لـ«إسرائيل» غضاضة في أن تعلن على الملأ عبر موقعها الإلكتروني أن الجيش هو المكان الذي تصنع فيه الشخصية الإسرائيلية

ينظر إلى الجيش الإسرائيلي بوجه عام على أنه «بَنَّاء الأمة» أي مدرسة الوحدة والهوية القومية» استمر الجيش الإسرائيلي، بدوره، في القيام بمهمات المنظمات الصهيونية الإرهابية التي سلفته بل وعمل على توسيعها، يورد جوناثان كابلان لواء «ناحال» كنموذج «بواسطة «ناحال» (وهي اختصار بالعبرية لـ: الشبيبة الطليعية المقاتلة)، أنشأ الجيش في المناطق النائية والحدودية مستوطنات عسكرية جمعت بين الزارعة والدفاع المحلي، وعادة ما كانت تُنشئ تلك المستوطنات وتُشرف عليها مجموعات شبابية صهيونية تكون قد أمضت وقتاً في كيبوتس أقدم عهداً، قبل أن تمضي إلى بؤر جديدة. وبعد مضي فترة تمهيدية يتم تسليم تلك البؤر إلى مجموعات مدنية فتصبح غالباً كيبوتسات أو موشافات‏. لقد قام ناحال بإنشاء العديد من المستوطنات الإسرائيلية في وادي الأردن ووادي عربة… وقد قام جيش الدفاع بدور نشط في تعليم المهاجرين الجدد، ولا سيّما في تعليم اللغة العبرية، إذ يتم إرسال معلمين من الجيش إلى مراكز استيعاب المهاجرين والمدارس الميدانية والمؤسسات التعليمية الأخرى. ويجمع برنامج الجيش الخاص بالمراهقين من أوساط محرومة بين الحصص التعليمية والعمل في أي قاعدة عسكرية. وينبغي التشديد على أن هذه البرامج ليست معدة للجنود، بل للقطاعات المهمشة في المجتمع الإسرائيلي»‏. كما هي حال النازية، ليست المؤسسة العسكرية الصهيونية مجرد أداة لإخضاع «الآخر» ولخلق صورة للذات المتفوقة، بل هي مكون جوهري للكيان والهوية، وأداة لتنفيذ المخططات الاستعمارية والتطهير العرقي قبل إعلان دولة «إسرائيل» وأداة للفصل العنصري والجرائم ضد المدنيين وتثبيت للاحتلال بعد إعلان دولة «إسرائيل»

 نظام «إسرائيل» الصهيوني والرايخ الثالث النازي بين التخفي والجهر

تتسم البرامج والتشريعات الصهيونية بالتمويه، فهي تستخدم البراق من المفاهيم الإنسانية كمفردات لها، ومرد ذلك يعود إلى أن الحركة الصهيونية خلال القسم الأكبر من مسيرتها لم تكن بالقوة المادية التي تمتعت بها النازية، كما أنها لم تكن راسخة على قطعة من الأرض كحال هذه الأخيرة. وعلى الرغم من إحكام الصهيونية المتجسدة في «إسرائيل» قبضتها على فلسطين، يلاحظ أنها لا تميل إلى التعبير عن ذلك صراحة – على الأقل قبل الحكومتين الأخيرتين. إن القومية الإقصائية والعنصرية وكره الإنسان واضحة في الممارسة الصهيونية، لكن نادراً ما يعبر عنها نظراً إلى حاجة الصهيونية إلى دعم القوى الغربية العظمى. تتمثل إحدى الصفات الأساسية لهذا التمويه بدور الضحية، وهو ما يعد مركزياً في السردية الصهيونية، علاوة على التضليل وحرف أصابع الاتهام نحو الفلسطينيين. يضاف إلى ذلك المساعي الخبيثة للاستحواذ على مأساة المحرقة، رغم أن العديد من الناجين من المحرقة ممن يعيشون في «إسرائيل»، يعانون العوز والتهميش‏.

من الأهمية بمكان تسليط الضوء على حقيقة أن لقوانين دولة «إسرائيل» اليد العليا على دستور المنظمة الصهيونية العالمية، وذلك منذ إعلان قيام دولة «إسرائيل» في 1948، وذلك أمر طبيعي، إذ إن الهدف الرئيسي للمنظمة الصهيونية العالمية بإنشاء دولة «إسرائيل» قد تحقق، وبالتالي أصبحت «إسرائيل» منذ 1948 المرجعية الصهيونية بحكم القانون. توضح المواد 1 و2 و4 و6 من قانون «مكانة المنظمة الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية» لعام 1952 هذه المسألة:

المادة 1

«تُعَدّ دولة «إسرائيل» نفسها ممثـلاً للشعب اليهودي بأسره، وأبوابها مفتوحة، بما يتفق مع قوانينها، لكل يهودي يرغب في الهجرة إليها

المادة 2

«قادت المنظمة الصهيونية العالمية منذ تأسيسها قبل خمسة عقود، حركة الشعب اليهودي وجهوده لتحقيق رؤية الأجيال بالعودة إلى وطنها، واضطلعت بعون من الدوائر والهيئات اليهودية بالدور المركزي في تأسيس دولة إسرائيل

المادة 4

«تعترف دولة «إسرائيل» بالمنظمة الصهيونية العالمية كونها الهيئة المخولة بالاستمرار في العمل في دولة اسرائيل على تطوير البلاد واستيطانها واستيعاب الهجرة من الشتات وتنسيق أنشطة المؤسسات والمنظمات اليهودية التي تعمل في هذه المجالات في اسرائيل

المادة 6

«تعرب دولة «إسرائيل» عن أملها في أن تبذل المنظمة الصهيونية العالمية جهداً في تحقيق الوحدة بين كل الأطراف اليهودية في العالم، وسيتم منح الهيئة الجامعة الموسعة المكانة نفسها التي منحت للمنظمة الصهيونية العالمية بموافقة من الحكومة والكنيست

إن استخدام المصطلحات الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان في كل من دستور المنظمة الصهيونية العالمية والقوانين الإسرائيلية الحالية إما محصور باليهود فقط بموجب قوانين خاصة، وإما ملغى لغير اليهود بموجب أحكام أو مواد في القوانين نفسها، وإما بموجب قوانين أخرى. في واقع الأمر ليس كل اليهود على قدم المساواة داخل «إسرائيل» كما ذكر آنفاً

من المستحيل فصل الأفعال الهمجية الإسرائيلية المرتكبة في حق الشعب الأصلي الفلسطيني عن البنية القانونية الإسرائيلية، فبإلقاء نظرة موضوعية على البنية التشريعية الإسرائيلية يمكن القول إن الفظاعات المرتكبة من جانب «إسرائيل» تحدث ضمن إطار تشريعي، وإن ذلك الإطار التشريعي ناتج من المكرسات الفكرية الصهيونية. يضاف إلى ذلك أن الصهيونية منتج يهودي أوروبي، فمراكز النفوذ في «إسرائيل» تكاد تكون أشكنازية صرفة، لذا فإن عبارة «نظام «إسرائيل» الصهيوني» خير تعريف ينطبق على دولة «إسرائيل» كما يرى الكاتب

لا يمكن الحديث عن الصهيونية من دون الحديث عن «إسرائيل»، وذلك لأن «إسرائيل» كدولة تعد نتيجة جهد الحركة الصهيونية. إن تاريخ وحاضر ومستقبل «إسرائيل» هو عين تاريخ وحاضر ومستقبل الصهيونية، وللوصول إلى تلك النتيجة والإبقاء على المشروع الصهيوني عمدت الحركة الصهيونية مراراً وتكراراً إلى تطوير منهجية متسترة ذات نتائج قصوى. يصف إيلان بابيه عملية التطهير العرقي الكبرى التي ارتكبتها الحركة الصهيونية، عملية الطرد القسري لأكثر من 750,000 فلسطيني وفلسطينية المعروفة بالنكبة كما يلي

«عندما أنشأت الحركة الصهيونية دولتها القومية لم تخض حرباً نجم عنها «بصورة مأساوية، لكن لم يكن هناك مفر من ذلك»، طرد «أجزاء» من السكان الفلسطينيين، بل العكس: كان الهدف الرئيسي للحركة تطهير فلسطين بأسرها تطهيراً عرقياً شامـلاً، باعتبارها البلد الذي أرادت أن تقيم دولتها فيه»‏

في 15 أيار/مايو 1948 أعلن رئيس المنظمة الصهيونية العالمية دايفيد بن غوريون قيام دولة يهودية تدعى «إسرائيل»، واعتمدت «إسرائيل» في العام نفسه علمَ ونشيدَ المنظمة الصهيونية العالمية أمام «مجلس الشعب اليهودي»، وهو الهيئة الرئيسية للمهاجرين اليهود في فلسطين، التي كانت تعمل تحت سقف الحركة الصهيونية، وأمام ممثلي الحركة الصهيونية نفسها دشن بن غوريون مرحلة جديدة من المشروع الصهيوني؛ مرحلة الدولة التي تنفذ تطهيراً عرقياً ممنهجاً وبطيء الخطى، لكنها تُضَمن مفردات الديمقراطية والمساواة والحقوق في خطابها الفكري/الأيديولوجي المتناقض. يقول إيلان بابيه

«إن هذه الأيديولوجيا لا تزال قوية اليوم، والسبب في ذلك لا يرجع إلى كون المراحل السابقة للتطهير العرقي في فلسطين مرت من دون أن تُلحظ فحسب، بل أيضاً وأساساً لأن تمويه الكلمات الذي قامت به الصهيونية كان ناجحاً إلى حد ابتكار لغة جديدة غطت على النتائج المدمرة لممارساتها

تتسم البلاغيات الصهيونية بالتمويه إلى حد بعيد بخلاف البلاغيات النازية، وفي الإمكان المحاججة بأن النظام النازي كان من القوة بمكان يجعله غير عابئ بأي رد فعل إزاء ما يقوم به، بينما كان النظام الصهيوني ولا يزال بحاجة إلى الدعم الدولي. لكن وتيرة الفظاعات التي ترتكبها آلة الحرب الإسرائيلية والمغالاة القومية المستشرية في «إسرائيل» التي يقع ضحيتها السكان الفلسطينيون الأصليون، إضافة إلى الخطاب اللامبالي المشبع بالعنصرية‏ من جانب الجيل الحالي من القادة الصهاينة المولودين في «إسرائيل»‏، باتت تزيل التمويه عن الجوهر الصهيوني أكثر فأكثر

إن أعمال العنف التي يرتكبها نظام «إسرائيل» الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني على درجة من الهمجية جعلت البروفيسور الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش يخلص إلى أن حضور العقلية النازية في «إسرائيل» حقيقة يستحيل تجاهلها، وأن ثمة وجوداً لمن سمّاهم «اليهود النازيين‏. لو قيض لليبوفيتش أن يعيش ليرى استفحال المستوطنات وعنف المستوطنين والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية والمجازر الإسرائيلية المرتكبة في قطاع غزة والترحيل «الترانسفير» البطيء للفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948، لربما كان ليقول إن اليهودية – النازية إحدى سمات نظام «إسرائيل» الصهيوني

هناك تشابه وتقاطع – بل وتطابق أحيانًا – بين الصهيونية والنازية، إلّا أنّ الصهيونية تجاوزت النازية بأشواط في ارتكاب الجرائم والإرهاب. فالنازية انحسرت ولم تقم بتغريب وإبادة شعب لتنسب أرضه إليها كما فعلت الصهيونية، كما إنّ الجرائم الفظيعة التي تميّز بها الإرهاب الصهيوني تشكّل حالة فريدة في تاريخ الإرهاب والقتل. فالجغرافيات المغتصبة في فلسطين المحتلة (المستوطنات) يقوم بنيانها على مقابر جماعية بحق أصحاب الأرض الفلسطينيّين، فمنذ العام 1948 ارتكبت العصابات الصهيونية أبشع المجازر من تهجير وقتل وتعذيب واغتصاب النساء وسفك دماء الأطفال وسرقة المنازل والممتلكات الفلسطينية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تفنّن الصهيانة بوسائل قتل أهالي قرية « الطنطورة » ودفنوهم في مقبرة جماعية، وأنشأوا فوق جثامينهم موقفًا سياحيًّا. كما ارتكب الصهاينة الفظائع في « دير ياسين » حيث كان يأتون بالنساء الحوامل ويتراهنون على جنس الأجنّة، ثمّ بقرون بطونهنّ وهنّ على قيد الحياة ليروا جنس الجنين، إضافة إلى آلاف الاعتداءات والمجازر على الفلسطينيّين واللبنانيّين والسوريّين والمصريّين. وهم لا يزالون حتى اليوم يمارسون العدوان والقتل والاعتقال والإبادة الجماعية.

إذًا، نحن أمام منهج صهيوني عقائدي يمتلك إيديولوجيا خطيرة على النظام الإنساني عامة، شعب هجين يُفسد في الأرض، ويحرّك الحروب والفتن على امتداد هذا العالم ليغذي غرائزه العدوانية التدميرية، ويحقّق أهدافه الوجودية على دماء الآخرين. من هنا تغدو الغرائز الركيزة اللاشعورية والميلاك اللاواعي للسياسة الإسرائيلية، تلك التي أفرزت أشكالاً مفزعة من الصراعات داخل منطقة الشرق الأوسط. وقد جاء محور المقاومة ليفرض معادلات جديدة على هذا الكيان الغرائزي، فتحوّل الصراع السياسي بينه وبين والصهاينة إلى صراع بين الاتجاهات الإنسانية البنّاءة للمقاومين والغرائز البشرية الهدّامة للصهاينة. وكذلك احتدم النزاع الديني والحضاري والتاريخي والاجتماعي والنفسي والثقافي بينهما.

وختامًا نستنتج أنّ الصهيونية مثلما اشتركت مع النازية بالنشأة والفكر والسلوك، فإنّها ستشترك معها بالزوال والفناء والاندثار، لأنّها حركة غير عقلانية، حركة معاكسة لمسار التاريخ وقوانين الطبيعة. إنّ الجماعة اليهودية « تحافظ على وجودها كوحدة إجتماعية عبادية وإيديولوجية حصرية، يعسر عليها عندئذٍ السير في طريق التطور، وتنزع إلى الاحتماء بظلّ نزعة قومية مسرفة ولكن عاجزة في الوقت نفسه، بحكم طابعها الطائفي الديني البدائي بالذات » واليوم يعاني المجتمع الصهيوني من حالة اللايقين، حيث أدّى فعل المقاومة إلى فكّ الارتباط بين الطاقة الحيوية للجماعة اليهودية مع الإقليم العقائدي أرض الميعاد، التي فقدت طابعها المقدّس الإيماني، بسبب تحوّلها إلى أرض غير آمنة، وبذلك تفجّر الذعر الوجودي لدى الصهاينة، وباتوا يعيشون حالة من القلق الوجودي. إنّ الوضع النفسي ليهود إسرائيل صار شبيهًا بحالتهم النفسية إبّان السبي البابلي، وبذلك سيجدون العودة إلى بلاد الشتات في أوروبا حلاً وجوديًّا نهائيًّا لمأزقهم الوجودي

Laisser un commentaire

francais - anglais ..