×

بين السلّة والذلّة.. المنطقة تقف على حافة حرب واسعة

بين السلّة والذلّة.. المنطقة تقف على حافة حرب واسعة

Spread the love

https://www.elfajr.org/

https://www.elfajr.org/

د. عباس دبوق  – خاص الموقع  ـ  بيروت ـ  ليست الحرب التي تخاض ضد الجمهورية الاسلامية الإيرانية معزولة عمّا يجري حولها. فمنذ اندلاع العدوان على غزة، المنطقة تعيش على إيقاع تصعيد متدرّج تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والكيان  الإسرائيلي، عنوانه المعلن “الردع”، وجوهره إعادة رسم موازين  القوة  بالقوة. وما يجري اليوم في البحار من تجميع اميركا لأدواتها العسكرية وما جرى قبل ذلك في البحر الأحمر ليس تفصيلاً، بل امتداد مباشر لهذه المعادلة المتفجرة.إذن، تقترب المنطقة مجدداً من لحظة مفصلية مع تصاعد الضغوط والتهديدات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل» ضد إيران. ليست المسألة مجرد خلاف نووي أو اشتباك نفوذ، بل صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه، فهل يُعاد رسمه بقوة الإكراه، أم يُفرض فيه توازن ردع يلغي الاحادية ويمنع الانفراد بالقرار؟

فالعدوان على غزة، لم يكن اهدافه مجرد حرب للسيطرة على بقعة جغرافية ضيقة، بل خطة تهدف كسر إرادة محور كامل عبر بوابته الأكثر إيلاماً. وحين اتسع التوتر إلى البحر الأحمر، لم يكن ذلك حدثاً بحرياً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن أي اشتعال كبير سيفتح خطوط الملاحة والطاقة والممرات الاستراتيجية على احتمالات خطيرة. هكذا تتكامل الجبهات وتتداخل الساحات، ضغط في فلسطين، وتوتر في الممرات البحرية، وصولا الى التهديد الدائم بتوسيع الدائرة نحو إيران.

القراءة الباردة تقول إن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تبقى ضمن حدودها الجغرافية. فالمشهد مترابط من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وأي شرارة كبيرة مرشحة لفتح ساحات متعددة في وقت واحد. لذلك، فإن الحديث عن حرب “محدودة” يبدو أقرب إلى التمنّي السياسي منه إلى الحساب الاستراتيجي الواقعي.

الرهان الأميركي–الإسرائيلي يبدو قائماً على فرضية أن الضغط المتعدد المسارات سيؤدي في النهاية إلى تطويع الخصم أو عزله. لكن تجارب المنطقة تقول إن فائض القوة لا ينتج بالضرورة استقراراً، بل قد يولّد ردود فعل غير متوقعة. فإيران ليست جزيرة معزولة، وهذا ما يصرح به الامريكيون أنفسهم وأي مواجهة واسعة معها لن تبقى ضمن حدودها، بل ستتردد أصداؤها وتتسع دائرتها في كل ساحة مشتعلة أصلاً.

في هذا السياق، يتجدد السؤال القديم ـ الجديد: أين تقف دول المنطقة بين السلّة والذلّة؟ السلّة هنا ليست اصطفافاً أيديولوجياً، بل موقف سيادي يرفض تحويل الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات كبرى. أما الذلّة فتبدأ حين يُسوَّق التصعيد كقدر لا يُرد، وحين يُختزل الاستقرار بقبول موازين قسرية وإملاءات تُفرض من الخارج. فهي ليست ضعفاً مادياً فحسب، بل قبولٌ ضمني بإعادة هندسة المنطقة وفق إملاءات خارجية مهما كانت الكلفة.

اللافت أن الدول وفي رأس قائمتها اميركا وأسرائيل التين تدفعا باتجاه التصعيد تفترضان ضمناً أن كلفة الانفجار يمكن ضبطها. لكن تجارب المنطقة القريبة تقول العكس: الحروب تبدأ بحسابات ضيقة وتنتهي بوقائع مفتوحة على فوضى طويلة. ومن يراهن على ضربة حاسمة وسريعة قد يجد نفسه أمام حريق يتجاوز كل الخطوط التي رُسمت له مسبقاً، قد يكون للدولة البادئة بالعدوان تحديد موعد بدء الحرب لكن ليس بإمكانها وضع نهاية لها وبإرادتها المنفردة.

فمن غزة إلى البحر الأحمر ولبنان مرورا بالعراق وصولاً إلى إيران، تتراكم المؤشرات على أن المنطقة تقف على حافة مرحلة أشد خطورة. القرار اليوم ليس بين حرب وسلام فقط، بل بين من يصوغ توازناته بيده… ومن يُدار مستقبله على إيقاع طبول الآخرين.

فالمنطقة اليوم أمام اختبار وعي سياسي بقدر ما هي أمام اختبار قوة. فإما أن تتشكل مقاربة عقلانية تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة وهذا مستبعد مع الادارة الامريكية الحالية وهستيريا الكيان، وتعيد تثبيت توازن ردع متبادل، وإما أن يُفتح الباب أمام مرحلة أخطر عنوانها تفكيك ما تبقى من استقرار غير قائم اصلا على اسس صلبة 

بين السلّة والذلّة، القرار لم يعد نظرياً… بل بات يُكتب على إيقاع طبول الحرب والتضحيات العظام

Laisser un commentaire

francais - anglais ..