×

بين مضيق هرمز وحدود لبنان : حين تُفاوض إيران من موقع القوة وتصرخ إسرائيل من مأزقها 

بين مضيق هرمز وحدود لبنان : حين تُفاوض إيران من موقع القوة وتصرخ إسرائيل من مأزقها 

Spread the love

د٠ عباس دبوق ـ الفجر ـ بيروت ـ في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما يرافقها من مواقف وتصريحات صادرة عن ترامب، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى انسجام هذه السياسات مع النيات الحسنة لانهاء حالة الحرب التى بدأت في ٢٨ شباط الماضي نهائيا فلم يعد السؤال اليوم: هل تندلع الحرب مجددا بعد انتهاء مدة الهدنة؟ بل: من الذي يملك قرار إنهائها اذا بدأت ؟

في لحظة مفصلية من تاريخ الصراعات الكبرى، يتكشّف مشهد غير مسبوق: الولايات المتحدة مترددة وتترنح في خطواتها إلى الخلف وتسجل تراجعات عديدة ، لا رغبةً، بل عجزًا عن فرض معادلاتها بالقوة، او بغلاظة تغريدات قادتها فيما تمضي إيران بثبات نحو فرض واقع جديد في أحد أخطر شرايين العالم واكثرها حيوية مضيق هرمز. هنا، يبدأ الحديث عن ارادة إيرانية صلبة وعن خطة ليست عابرة، بل مصممة الى هدف كسر تدريجي لاحتكار الهيمنة البحرية الذي حكم العالم لعقود.

فبات العالم كله يرقص امام مشهد درامي تنتجه إيران التى أصبحت “تتحكم بالاقتصاد العالمي” بشكل كامل عبر مضيق هرمز. هذا المضيق بالفعل يشكل ورقة ضغط استراتيجية خطيرة، لأنه يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، لكن التحكم به ليس مطلقًا، بل محكوم بتوازنات دولية معقدة تشمل قوى بحرية كبرى ومصالح متعددة.

إيران تستخدم هذا الموقع كورقة ردع وأكثر من ذلك تعلن أنها وضعته تحت سيطرة ادارة ذكية لعبور السفن يعني انه بعد الحرب المفروضة عليها جعلته أداة عقاب وسيطرة دائمة بوجه اعدائها. وهي تفتحه وتغلقه وفقا لتحقيق مصالحها وعلى ما يبدو انها تنجح بذلك فان اي محاولة لإغلاقه بالكامل ستؤدي إلى عاصفة واسعة لا تخدم مصالح العالم الاقتصادي ، لذلك هي توظفه ضمن سياسة “حافة الهاوية” لتعزيز موقعها التفاوضي، وجعله كأمر واقع دائم تحت سيطرة قواتها البحرية . وبالتالي هي لم تعلن استجابتها بعد لخوض جولة مفاوضات ثانية مع المفاوض الاميركي في اسلام اباد رغم الساعات القليلة المتبقية من مدة هدنة وقف إطلاق النار مما يطرح احتمالات عودة الصراع والضرابات العسكرية . وكذلك احتمالات انهيار الهدن الهشة في الاقليم

 فيما يخص لبنان، فالوضع أكثر تعقيدًا. الحديث عن “منطقة عازلة” يعكس هدفًا إسرائيليًا تقليديًا لأسباب تدعيها امنية لكن تخفي اطماع قديمة لها علاقة باسرائيل الكبرى، لكن تحقيقه ليس سهلًا كما أشرت. فوجود المقاومة، وتركيبة الجغرافيا، والتوازنات الإقليمية، كلها عوامل تجعل أي تغيير ميداني جذري مكلفًا جدًا وسيسقطه الميدان والتجربة ليست بعيدة. في المقابل ملف لبنان حاضر بقوة على المسار التفاوضي في اسلام اباد ويشكل ابرز نقطة خلاف الى جانب الملف النووي حسب اقوال المسؤولين الباكستانيين وهنا تبرز قوة واهمية الميدان التي تخضعه المقاومة لأرادتها وتسيله مادة على طاولة اهم مفاوضات نتائجها سترسم مستقبل العالم. لماذا يكون جلب الملف اللبناني الى المسار السياسي الباكستاني مهما لانه يكون تحت مظلة اوراق قوة في حوزة المفاوض الايراني وايضا تحت رعاية باكستان التى لا تربطها علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.

فإيران، وعلى عكس الصورة التي يُراد تسويقها، لا تتحرك بمنطق المغامرة، بل بمنطق إدارة القوة. هي لا تغلق مضيق هرمز، لكنها تجعل العالم كله يفكر بما سيحدث لو فعلت. لا تعلن الحرب، لكنها تضع خصومها على حافة حساباتها. هذا النوع من القوة هو الأخطر: قوة الاحتمال، لا قوة الفعل فقط

أما في لبنان، فالمشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. يسعى الاحتلال إلى فرض “منطقة عازلة يسميها بالخط الاصفر” كتعويضٍ عن عجزه في تحقيق نصر حاسم، لكنه يصطدم بواقع ميداني صلب: مقاومة لم تنكسر رغم الاستهداف، وبيئة لا تقبل بإعادة إنتاج معادلات قديمة سقطت منذ زمن. الرهان الإسرائيلي اليوم ليس على الحسم، بل على الاستنزاف. والرهان الأميركي ليس على الحرب، بل على إخضاع إيران عبر الضغط المركب. لكن في كلا الحالتين، تصطدم الحسابات بحقيقة واحدة: أن ميزان الردع لم يعد أحادي الاتجاه . وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية: كيف تنتصر على خصم لا يُهزم بالضربة القاضية في هذه اللحظة بالذات، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو انفجار شامل، بل نحو شيء أكثر تعقيدًا: توازن قلق، تُدار فيه الحروب تحت سقف الانفجار، وتُكتب فيه التسويات على حافة الهاوية وهذا ما سيظهر للعالم في الايام المقبلة.

Laisser un commentaire

francais - anglais ..