×

البيانات الضخمة: القوة الخفية للاستخبارات

البيانات الضخمة: القوة الخفية للاستخبارات

Spread the love

   

نسيب شمس  – بيروت ـ الفجر ـ تُعدّ البيانات الضخمة” الذكاء الاصطناعي”  من الركائز الأساسية التي تدعم عملية “الاستخبارات والرقابة والاستطلاع” في العصر الحديث . وهذه الأدوات المتقدمة تشكل حجر الزاوية في تعزيز الأمن القومي وتوفير المعلومات الدقيقة اللازمة لصناع القرار من خلال هذه التكنولوجيا المتطورة، والاخذة بالتطور المتسارع، حيث أصبحت القدرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات من مختلف المصادر ميزة استراتيجية حاسمة للدول وأجهزة الاستخبارات. وتشير البيانات الضخمة إلى الكميات الهائلة من البيانات التي يتم توليدها وتخزينها يومياً من خلال أنظمة مختلفة مثل: الانترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، أجهزة الاستشعار، والمعاملات المالية وهذه البيانات تحتوي على معلومات قيمة يمكن استخدامها لفهم الاتجاهات، التنبؤ بالأحداث، وتحديد التهديدات الأمنية المحتملة. كما انه عندما يحصل الاقتران بين البيانات الضخمة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتم تحليل هذه المعلومات بسرعة أعلى وكفاءة أكبر ترتفع وتتحسن جودة المعلومات الاستخباراتية. وتعتمد الاستخبارات، استراتيجية  الحصول على المعلومات الاستخباراتية من المصادر العلنية، كونها طريقة يمكن الحصول من خلالها على المعلومات من قواعد البيانات الضخمة المدفوعة (الخاصة أو الحكومية)، والتي يتم رصدها عبر الإنترنت، أو مواقع التواصل الاجتماعي أو الفضائيات أو الصحف أو الأقمار الاصطناعية، وكاميرات المراقبة وتطبيقات جمع المعلومات الشخصية والحسابات البنكية، ونظم الاستشعار الخاصة بجمع المعلومات المنتشرة في الشوارع والسيارات الذكية، فضلاً عن المعلومات المتوافرة في الصحف والمجلات والدوريات والكتب والقنوات التلفزيونية ومحطات الراديو، عبر استخدام برامج كومبيوتر عملاقة حيث يتم تحليل هذه المعلومات وربطها بقواعد البيانات الحكومية وأجهزة الاستخبارات بصورة متزامنة وآنية. البيانات الضخمة أصبحت أداة قوية في أيدي الحكومات والمنظمات للتنبؤ بالمخاطر الأمنية قبل حدوثها، حيث يمكن جمع المعلومات من وسائل التواصل الاجتماعي للكشف عن الاتجاهات الخطرة، في وقت تلعب فيه المنصات الرقمية دوراً مهماً في تحديد النيات والخطط المحتملة للجماعات الخارجة عن القانون. من الأدوات التي تستخدمها الدول في هذا المجال تحليل المحتوى المستخرج من منصات مثل: تويتر وفايسبوك لمعرفة النقاشات أو الخطط التي قد تشير إلى نشاط غير عادي عن طريق استخدام معالجة اللغات الطبيعية . مثلاً، تقدم شركات التكنولوجيا الاميركية أدوات يتم استخدامها لتحليل كميات هائلة من البيانات، بدءاً من تقارير المخابرات وصولاً إلى المحتوى المتداول على الإنترنت، مما يتيح الكشف عن الأنماط والاتجاهات التي قد تشير الى تهديدات أمنية. أن التكنولوجيا الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، قد أحدثت نقلة نوعية في مجال التنبؤ بالتهديدات، لكن الاعتماد على العنصر البشري يظل عاملاً هاماً في بعض الأحيان، والسبب في ذلك يعود لأهمية الخبرة البشرية والفهم العميق للسياق السياسي والاجتماعي؛

الدمج بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية

يمكن القول بأن الدمج بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية يُعدّ السبيل الأمثل في التحليل والتنبؤ الاستخباراتي. إذ يمكن للتكنولوجيا تعزيز قدرة المحللين على معالجة البيانات بكفاءة، بينما تضيف الخبرة البشرية السياق الضروري لفهم وتحليل النتائج تمهيداً لاتخاذ القرار. كثر يفهمون ماهية الذكاء الاصطناعي والبيانات التي يعتمد عليها، ويتعاطون معه كحل جاهز، يمكن استيراده طالما الأموال متوفرة، كذلك ينظرون بنفس النظرة إلى البيانات. لكن الواقع أن هذا مجرد خيالات، وبعيد جداً عن الواقع. فالبيانات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي ليتعلم التفكير ويقدم مساعدته لنا ولمؤسساتنا، لا بد من معرفة أن البيانات هي داخل مؤسساتنا وليس خارجها ولا يمكن استيرادها، ولا يمكن تخزينها كأسرار بحرص وتكتم. أولا شك ان استخدام ونمذجة البيانات الضخمة ضرورة ملحة في المجالات الأمنية والاستخباراتية. ويتم الاعتماد على تلك البيانات بشكل متزايد في حماية وتعزيز الأمن القومي، وذلك من خلال تحسين وتحليل المعلومات باستخدام تقنيات متقدمة مثل: الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وتوفر هذه التقنيات إمكانيات غير مسبوقة لتحليل البيانات الضخمة خصوصًا في مجالي استخبارات الإشارة واستخبارات المصادر المفتوحة   إذ تقوم استخبارات الإشارة بجمع المعلومات من اعتراض الإشارات والاتصالات الالكترونية، بينما تعتمد استخبارات المصادر المفتوحة على المصادر العامة مثل: وسائل الاعلام، الانترنت، والشبكات الاجتماعية. تتيح خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات الضخمة في الوقت الفعلي، ما يسمح باتخاذ قرارات استراتيجية دقيقة وسريعة. من خلال تحليل هذه البيانات، يمكن للقادة العسكريين التعرف على أنماط محتملة في تصرفات العدو وتحديد تهديدات المستقبل قبل أن تصبح واقعاً ملموساً. وتساعد البيانات الضخمة أيضاً تحليل الاتصالات العسكرية اللاسلكية؛ إذ تساعد على الكشف عن تحركات القوات أو الاتصالات الميدانية بين الفرق، وهو ما يساعد على تقديم تحليلات استخباراتية دقيقة. ومع تعقد استخدام البيانات الضخمة قي جميع أوجه الحياة الحديثة ومنها الأمن القومي، ظهر عدد من التحديات الأخلاقية والقانونية المتعلقة بحماية حقوق الأفراد مثل الخصوصية والحرية الشخصية، وهو ما يشكل صلب الصراع بين حماية الامن القومي وضمان حقوق المواطنين. ويُعد انتهاك الخصوصية من أهم التحديات الأخلاقية المرتبطة باستخدام البيانات الضخمة في الامن القومي، والخصوصية حق أساسي من حقوق الإنسان التي أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ولكن استخدام البيانات الضخمة لأغراض المراقبة يشكل تجاوزاً لهذه الحقوق، وما زال هذا الخلاف محتدماً، في ظل المطالبة بالشفافية وضرورتها الأخلاقية من قبل الأفراد. نحن نعيش في عصر تتغير فيه مفاهيم القوة والهيمنة بشكل جذري، خاصة في عصرنا الرقمي، والذي وجدت البيانات الضخمة نفسها تتحول الى أداة أساسية: بل محورية في إعادة تشكيل الأمن القومي وتغيير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية، في ظل ملاح تحديات أمنية سنواجهها في المستقبل القريب بشكل أخطر عما نواجه اليوم، فالبيانات الضخمة ليس مجرد أرقام أو معلومات مخزنة في أجهزة الكومبيوتر في السحابة ، ان ها القوة الخفية التي ستحرك وستتحكم في العالم في القادم من الأيام

Laisser un commentaire

francais - anglais ..