
بقلم : سمية مروة – كندا ـ الفجر ـ كيف تمر تسعة وعشرون عاماً بغمضة عين؟ كيف يسرقنا الوقت في بلاد الصقيع، ونحن نؤجل العودة عاماً بعد عام، حتى نسينا كيف نعدّ الفصول؟ في كندا، حيث عشت تسعة وعشرين شتاءً قارص البرد، مغتربة الروح، كنت أظن دائماً أن وطني، ببيته العتيق في الجنوب وبأهلي وجيراني وأصدقاء طفولتي ورفاق دراستي وجامعتي، ينتظرني هناك ثابتًا لا يغيره غياب. كنت أواسِ غربتي بوهم أن المفتاح ما زال في جيب الذاكرة، وأنني متى عدت، سأفتح الباب وأجد كل شيء كما تركته يوماً.
لكن الغربة ليست مجرد مسافات نقطعها بالطائرات، بل هي هذا السارق الصامت الذي يأخذ منا أجمل سنين العمر في الركض خلف تفاصيل الحياة اليومية، لنستيقظ فجأة ونكتشف أننا أمضينا عمراً كاملاً بعيدين عن تفاصيل العائلة، وجلسات الأقارب، ويعتصرنا الحنين الجارف إلى أصدقاء طفولتنا وشبابنا الذين غابوا خلف جدار السنين وانقطعت سبل التواصل معهم. عشنا نكابر على برد الغربة، ندفئ قلوبنا بذكريات الماضي في بلدتي الجنوبية؛ بذاك السطح الذي كنت أعشق الصعود إليه كل مساء لأتأمل بصمت مشهد الغروب وهو يلوّن الأفق بالبرتقالي والزهري، حيث كان يمنح روحي سلاماً لا يشبهه شيء. عشنا على أمل زيارة قريبة لم تكتمل فصولها بعد.
وفي هذه الأيام، يرتجف القلب غصة وحسرة. لم تعد الغصة مجرد شوق للقاء، بل غدت حزناً أسودَ يلتهم الروح والوطن يُؤذى ويُستباح. بلدتي الوديعة، جنوبي الصامد، وبيت عائلتنا الذي شهد أولى خطواتي وضحكاتي… لم يسلم من قسوة الأيام، فقد ناله الدمار. الحجر الذي كان يحمل رائحة والديّ الراحلين، صار اليوم شاهداً على قسوة اللحظة بين ركامٍ متناثر، حتى ذلك السطح الذي شهد أحلامي وتأملاتي وقت الغروب، غدا رماداً.
العدو في حربه الضارية لم يستهدف الحجر فقط، بل تعمّد محو ذاكرتنا الجماعية وتاريخنا الشخصي. إنه يحاول اغتيال طفولتنا وشبابنا. أسأل نفسي بحرقة : حتى لو تيسرت لي العودة غداً، إلى أين سأعود؟ أي زاروب سأعرف؟ وأي شجرة زيتون سأستظل بها ؟ لقد محا المجرم جغرافية ذكرياتي، وسرق منّي حتى فرصة أن أقول لبيتي القديم : « لقد عدت بعد غياب ».
غصّة في الروح لا تموت، أن أرى بلدي الحبيب يتألم وأنا عاجزة، أتابع تفاصيل الوجع والدمار خلف الشاشات الباردة في بلاد الاغتراب. تفصلني عن ناسي وأهلي بحار وصقيع ومسافات شاسعة، لكن جدران البيت التي تهاوت تظل محفورة في داخلي بأدق تفاصيلها، عصيّة على النسيان والزوال. ستبقى ذكريات تلك السنين، وذاكرة بيت الجنوب الدافئ، حيةً نابضة فينا، ننقلها ونحميها من النسيان والمحو. فالبيوت التي تسكن أرواحنا لا تموت، والجنوب سيبقى فينا وطناً نبتدئ منه ونعود إليه، ولو بعد حين
Laisser un commentaire