×

كيف تغيرت سوق السلاح العالمية ؟

كيف تغيرت سوق السلاح العالمية ؟

Spread the love

كل الأرقام التي أطلقت لتحديد حجم تجارة الأسلحة هي أرقام تقديرية لعدم وجود معلومات دقيقة، لكن أغلب التقديرات الموثوق منها تجمع على إنفاق سنوي يتأرجح ما بين التريليون ونصف والاثنين تريليون دولار، وهو رقم بجانبه اثنا عشر صفرًا ويساوي تقريبًا 3% من كامل الناتج المحلي العالمي، دلالة قاطعة على أنها التجارة الأقوى عالميًا متخطية تجارة المخدرات صاحبة المركز الثاني. مبيعات أكبر 100 شركة في مجال صناعة وتطوير الأسلحة تقترب بشكل حثيث من نصف تريليون دولار، والصناعة نفسها لا تقتصر على صناعات الشركات الكبرى التي تغذي الجيوش النظامية فقط، وإنما تمتد لأبحاث عسكرية ودعم لوجيستي وصناعات الأسلحة المتوسطة والصغيرة وميكانيزم تهريب السلاح وعمولات الساسة والسماسرة والجنرالات لتسهيل الشراء أو إرساء المناقصات على شركات بعينها. على عرش مصدري الأسلحة تتربع ثلاث دول بلا منافس قريب وهي (الولايات المتحدة/ روسيا/ الصين)، يأتي بعدها أكبر أربع دول في الاتحاد الأوروبي، في صناعة السلاح وهي (فرنسا/ إنجلترا/ ألمانيا/ إيطاليا)، ثم نجد إسرائيل، بينما تحتل الهند المركز الأول عالميًا في استيراد الأسلحة، تليها الإمارات فالصين ثم المملكة العربية السعودية فباكستان، وتأتي الولايات المتحدة في المركز العاشر ومصر في المركز الثاني عشر. وما تستورده الولايات المتحدة ليس أسلحة عادية بالطبع وإنما تستورد أنظمة إلكترونية دفاعية دقيقة في الغالب وأسلحة متوسطة وصغيرة لا تصنعها بكثافة أو صفقات ضئيلة في إطار توطيد علاقات سياسية بدولة أخرى.

بينما تدخل الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الثاني تستهدف المساعدات العسكرية الضخمة المتدفقة إلى ساحة القتال غايات أبعد من إنعاش سوق السلاح العالمية واختبار فعالية بعض الأنظمة التسليحية، لتتكشف التأثيرات بعيدة المدى للحرب ومن أبرزها إقصاء روسيا عن قائمة أباطرة السلاح في العالم، وصولاً إلى تغيير شبه قسري لإستراتيجيات الدفاع والأمن القومي والعقيدة العسكرية لمعظم القوى الفاعلة في المسرح العالمي. الحرب التي أدت إلى ازدهار صناعة السلاح في العالم وفرت في الوقت ذاته فرصة ذهبية أمام الولايات المتحدة لتشجيع مستوردي السلاح الروسي على الاستغناء عنه، لينشأ صراع على مكانة وحصة موسكو كثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة بمتوسط مبيعات سنوية تزيد على 13 مليار دولار، لتشرع سوق السلاح أبوابها أمام الصين. ويتفق مراقبون أن الحرب غيرت كثيراً من المفاهيم والإستراتيجيات العسكرية، وجعلت جهوزية الجيوش في حاجة إلى مراقبة ومراجعة مستمرة، كما أنعشت أيضاً السوق السوداء للسلاح وأعادت الاعتبار للقوة العسكرية في العلاقات الدولية، لتمثل نقطة ارتداد عكسي لمسار عولمة التكامل الاقتصادي والاعتماد المتبادل، لتعود لغة القوة والسلاح « أصدق أنباء » من الدبلوماسية والحوار في علاقات الدول. تشير معظم التقارير التي تستشرف مستقبل صناعة السلاح في العالم بعد الحرب في أوكرانيا إلى تغير كبير في خريطة سوق السلاح العالمية، وتتجه الصين والولايات المتحدة إلى الاستفادة المباشرة من تراجع مكانة روسيا كمصدر رئيس للسلاح، بينما تسعى بلدان أخرى إلى لعب دور متنام في صناعة الأسلحة خلال السنوات المقبلة من خلال تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، وتشمل القائمة معظم بلدان الأسواق الناشئة وعلى رأسها تركيا، فيما تقفز بولندا وكوريا الجنوبية خطوات واسعة نحو الأمام في سوق السلاح العالمية. ويعد ظهور أنماط جديدة للأسلحة وآخرها مناطيد التجسس والأجسام الطائرة المجهولة خلال الأسابيع الماضية دليلاً عن أن لغة السلاح أصبحت اللغة العالمية السائدة بين الدول حالياً، سواء في الميدان الأوكراني أو خارجه، إضافة إلى تسريع عملية « عسكرة » و »أمننة » مجالات سلمية مثل الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني.  أن الحرب الروسية – الأوكرانية تسببت في سيادة نمط عسكرة التفاعلات على مجمل العلاقات الدولية، « فأوكرانيا ساحة اشتباك مباشرة وغير مباشرة تجمع القوى النووية الرئيسة في العالم، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وحلف الـ « ناتو »، وهذه القوى وجدت في أوكرانيا ميدان معركة يحتم استخدام أفضل أنظمة التسلح حتى وإن لم تشتبك ميدانياً في قلب المعركة ». ودفعت الحرب الأوكرانية عدداً من الدول إلى زيادة إنفاقها الدفاعي في ظل تزايد مؤشرات العسكرة وإحياء الحرب لغة الحلول العسكرية على حساب الحلول الدبلوماسية  ويظهر ذلك بشكل خاص بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي وجدت نفسها تنتقل من سنوات « عائد السلام » التي تمكنت خلالها من تعزيز التكامل الاقتصادي وزيادة التبادل التجاري والإنفاق على القطاعات المدنية في ظل الاعتقاد بأن عصر الحروب الكبرى في القارة قد ولّى، فتنتقل إلى سنوات « اقتصاد الحرب » على حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسط حال من تزايد الإنفاق الدفاعي لتلك الدول.  وبشكل عام تحفز حال العسكرة التي خلقتها الحرب الأوكرانية من إنفاق دول العالم داخل وخارج أوروبا مزيداً من الأموال على القطاعات العسكرية. تأثرت سوق السلاح العالمية بشكل كبير بالحرب الأوكرانية، إذ تسببت الحرب خلال عام في إنعاش سوق السلاح بشقيها الرسمي وغير الرسمي المرجح استمراره بفعل العسكرة التي خلقتها وعززتها الحرب وتوجه الدول نحو زيادة إنفاقها الدفاعي، فعلى المستوى الرسمي دعمت الدول الغربية أوكرانيا بإمدادات تسليحية كبيرة بالشكل الذي أثر في المخزون الغربي من السلاح، مما يدفع إلى تكثيف وتسريع عملية تصنيع السلاح لتعويض الفاقد، فضلاً عن أن التوقعات بموجة جديدة من التصعيد بحلول الذكرى الأولى للحرب مع بداية فصل الربيع تشير بالتبعية إلى استمرار انتعاش سوق السلاح وتكثيف عمليات التصنيع والتوريد، بخاصة في ظل استمرار الحرب بلا أفق واضح أو مدى زمني محدد لنهايتها، وكذلك في ظل المطالبات الأوكرانية المستمرة بمزيد من الإمدادات التسليحية.  أن الحرب الأوكرانية هي بمثابة ساحة اختبار وتنافس وترويج بين السلاح الروسي و الغربي، فعلى سبيل المثال حرصت تقارير غربية على توظيف صور الآليات العسكرية الروسية المدمرة وفشل موسكو في السيطرة على كييف كأدلة على فشل الأسلحة الروسية لإضعاف ثقة المستوردين لتلك الأسلحة، فضلاً عن عقد المقارنات بين كفاءة الأسلحة الروسية والغربية في ساحة المعركة، وأن الحروب بشكل عام تعد ساحة لاختبار وتجربة وتقييم الأسلحة والترويج لها

إعادة الاعتبار للقوة العسكرية أبرز النتائج المباشرة لعام من الحرب في أوكرانيا، هكذا وصف الباحث بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية محمود قاسم السمة الرئيسة للمشهد الدولي الراهن، إذ أظهر العام الأول من الحرب الروسية أن النظريات الرامية إلى تعزيز التعاون بين الدولة تراجعت لمصلحة نظرية القوة الصلبة وتحديداً العسكرية، باعتبارها ضامناً لأمن ومصالح الدول، بمعنى أن الحرب الروسية – الأوكرانية جعلت من امتلاك القوة العسكرية سواء الهجومية أو الدفاعية محدداً رئيساً لقدرة الدولة على التأثير وإثبات الحضور أو على الأقل ضمان البقاء والمقاومة في حال الاعتداء عليها من قبل دولة أخرى، وعليه برزت ملامح وأشكال جديدة ترمي للعسكرة سواء في إطار تحالفات أو مساعي بناء وتطوير القدرات الذاتية للدول. وتشير ملامح العسكرة أيضاً إلى فكرة تغير المعادلة المرتبطة بامتلاك وحيازة السلاح النووي، فعلى رغم أن الثابت في المعادلة النووية هو أن امتلاك النووي يكون للردع، إلا أن التلويح بإمكان استخدامه من روسيا يدل على طبيعة التفاعلات القائمة التي يمكن أن تتجاوز أية خطوط حمراء، وعلى رغم صعوبة استخدمه نظراً لارتفاع الكلفة وعدم القدرة على تحمل تبعاته، إلا أن التفاعلات المستقبلية قد لا تستبعد توظيف السلاح النووي التكتيكي، بخاصة إذ ما استمر الدعم الغربي وتسبب في خسائر إستراتيجية لروسيا. اعتمدت القوة بالأساس على مدى متانة التحالفات العسكرية لطرفي الصراع، وليس بالضرورة القوة الذاتية لكل من الطرفين المباشرين روسيا وأوكرانيا، ويوضح محمود قاسم أنه « ظهر خلال العام الماضي نمط الشراكات والتحالفات العسكرية كملمح لحال العسكرة القائمة في المشهد الدولي، وأظهر الاعتماد الروسي على المسيرات الإيرانية ومساعي الطرفين إلى تطوير التعاون بينهما ليشمل التصنيع المشترك للطائرات من دون طيار وزيادة قدرتها التدميرية ومدياتها، إلى تشكل التحالفات والشراكات العسكرية وفقاً لمعسكرين روسي – إيراني – صيني في مقابل معسكر أميركي – غربي، لينطلق كل معسكر من فرضية تعزيز التحالف العسكري لتطويق الخصم أو الحد من نفوذه، مما سيسهم بصورة كبيرة في تغليب لغة العسكرة على حساب التعاون والتكامل ». الملمح الأهم في التحالفات القائمة على خلفية الحرب هو القدرة على تأمين ضخ المساعدات العسكرية، ويتمثل ذلك في الدعم العسكري غير المسبوق من قبل الولايات المتحدة الأميركية والغرب، إذ التزمت واشنطن بتقديم مساعدات مالية وأسلحة وذخائر ومنظومات متطورة إلى جانب الدول الغربية الأخرى بدرجات متفاوتة بهدف استنزاف روسيا بصورة رئيسة وضمان استمرار المقاومة الأوكرانية. هذا الدعم تسبب في إطالة أمد الحرب ومنع روسيا في تحقيق مكاسب ميدانية وعسكرية فارقة مما زاد وسيزيد من حال العسكرة، بخاصة أن السلاح الغربي تسبب في إحداث نزف أو صدمات عسكرية ملحوظة لروسيا، وهو ما قد يستدعي قيام روسيا برد عنيف خلال الفترات المقبلة على الأقل للحفاظ على سمعة السلاح الروسي في مواجهة السلاح الغربي.
حدثت نقلة نوعية في سقف الإنفاق الدفاعي لمعظم دول الاتحاد الأوروبي والعالم، وبدأ الانفاق يتجه لحاجز الاثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول التكتل للمرة الأولى خلال العام الماضي، ومنها ألمانيا وبلجيكا والمجر والدنمارك وإيطاليا والسويد. أن هذا الاتجاه جاء « تنفيذاً لإستراتيجية الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى أن يكون أكثر استقلالية وألا يعتمد على الـ ’ناتو‘ بصورة شبه كلية في خططه التسليحية، ويتضافر ذلك مع وجود خطط يابانية استثنائية وعملاقة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال خمسة أعوام، بإجمال موازنة تخطت 330 مليار دولار للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية ». في المقابل حفزت الحرب الروسية -الأوكرانية اتجاهات العسكرة في العلاقات الدولية، وبشكل خاص في القارة الأوروبية وكذلك في القارة الآسيوية ومنطقة الـ « إندوباسيفك » التي بات ينظر إليها على أنها بؤرة صراعية تالية، وسط مخاوف من أن يحفز السلوك الروسي تجاه أوكرانيا سلوكاً صينيا مشابهاً تجاه تايوان.   أن « التأثيرات الاقتصادية للحرب الأوكرانية اللاحقة لتأثيرات جائحة كورونا عززت توجه الحكومات نحو تنويع الواردات وسلاسل الإمداد، وكذلك تعزيز درجة الاعتماد على الذات أو الحلفاء المأمونين في تلبية الحاجات الأساس والمواد الإستراتيجية، ويدفع التوظيف الروسي لورقة الغاز اقتصادياً وإستراتيجياً ضد الغرب الدول الغربية إلى التفكير في إستراتيجيات التعامل مع الصين إذا ما وظفت بشكل مشابه ورقة المواد والمنتجات الاقتصادية والتكنولوجية ضدهم حال اندلاع حرب في تايوان ». تغير المفاهيم والعقيدة العسكرية يمثل الاتجاه الأبرز خلال العام الأول من الحرب، إذ تغيرت العقيدة العسكرية لعدد من الدول، فعلى سبيل المثال ظهرت ألمانيا بشكل مغاير لما كانت عليه منذ الحرب العالمية الثانية، إذ اتجهت سريعاً نحو تطوير وتحديث قواتها المسلحة وتخصيص موازنة تقدر بنحو 100 مليار يورو للدفاع.  من ناحية أخرى اتجهت دول الحياد، فنلندا والسويد، إلى تجاوز تلك الفكرة والانضمام تحت مظلة الـ « ناتو »، وهو تحول لافت ناجم بصورة مباشرة عن الحرب الأوكرانية، ويشير بشكل أساس إلى فكرة العسكرة التي تسيطر على الساحة الدولية ومساعي كل طرف إلى امتلاك الردع أو ضمان الاحتماء بقدراته الذاتية أو قدرات حلفائه حال امتداد الحرب إليه. لا تنفصل عن هذا التوجه حال التحول الكبير التي تشهدها اليابان والتي كانت وقعت على وثيقة الاستسلام في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظلت توجهاتها طوال العقود الماضية تسير في إطار السلمية والابتعاد من العسكرة، إلا أن العام الماضي شهد تحولاً في عقيدتها بشكل دفعه إلى زيادة الانفاق الدفاعي لنحو اثنين في المئة بموازنة تقدر بـ 320 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يضعها ضمن أعلى الدول إنفاقاً في العالم بعد أميركا والصين، علاوة على مساعيها إلى التعاقد على منظومات ومعدات عسكرية متطورة

Laisser un commentaire

francais - anglais ..