×

التناقض الفرنسي الواضح تجاه القضية الفلسطينية

التناقض الفرنسي الواضح تجاه القضية الفلسطينية

Spread the love

  باريس  – الفجر – أن الرئيس الفرنسي لا يسعى أبدا إلى التأثير لا على نتنياهو ولا على السياسة الإسرائيلية، فهذا يتطلّب تبنّي عقوبات من أجل تطبيق القانون الدولي، وهو ما تفعله فرنسا من أجل وضع حدّ للغزو الروسي في أوكرانيا، لكنها ترفض القيام به من أجل إيقاف الاحتلال الذي يتواصل في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن. بل يصل اصطفاف الحكومة الفرنسية  وهي التي لا تتردد في كل مناسبة في الإشادة بـ“القيم المشتركة” التي تربطها بإسرائيل   ذهب إيمانويل ماكرون أبعد من سلفه في تبنّي الخطاب الإسرائيلي، ومحاولات تكميم الأفواه المدافعة عن فلسطين. فقد كان الرئيس الفرنسي الأول الذي جعل من معاداة الصهيونية مرادفاً لمعاداة السامية. كما أيّد تعريف معاداة السامية الذي قدّمه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، والذي يهدف في الواقع إلى حماية إسرائيل من أي نقد، وقد تم الطعن فيه من قبل كل من نقابة المحامين الأمريكية و“نداء القدس” الذي وقّع عليه مئات المثقفين المتخصصين في تاريخ الهولوكوست ومعاداة السامية. كذلك، واصل ماكرون تجريم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها ، وأعطى تعليماته لوزير العدل إريك دوبون موريتي بإصدار منشور للتحايل على قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي أكّد شرعية حركة المقاطعة. أين هي دولة القانون؟ أخيراً  ندّد الرئيس الفرنسي بتقرير منظمة العفو الدولية حول الفصل العنصري (أبارتايد) في إسرائيل وفلسطين. وهكذا جعل من كفاح معاداة السامية سلاح حرب، ليس للدفاع عن اليهود، بل لتجريم التضامن مع فلسطين

سياسة المكيالين

عقب معركة طوفان الاقصى زار ماكرون تل أبيب ورام الله وعمان والقاهرة هناك شوّه ماكرون ذاكرة فرنسا التي رسمها ديغول وميتران وشيراك في أذهان العرب، وتعامل معها بإنكار كامل، لم يلتفت إلى خطاب ديغول في ستة 1967 عن الصراع العربي الاسرائيلي وموقف شيراك في القدس ورام الله، وأهمل خطاب فرانسوا ميتران. ذلك، يمكن القول «إن حصيلة مواقف ماكرون أفقدت باريس إمكانية التواصل بين نخبها، ما بين داعمي إسرائيل وداعمي القضية الفلسطينية، حيث وصلت إلى نقطة القطيعة، فالطرف الأول يطالب بإدانة الجريمة، فيما الطرف الثاني يطالب بمراجعة السياق الذي سبق الجريمة، ويبقى القلق أن تمتد القطيعة داخل الاجتماع الفرنسي، ما قد يؤدي إلى نهاية الجمهورية الخامسة» ضراوة الحملة التي تعرضت لها فرنسا بسبب اتهامها بمعاداة السامية في فترات مختلفة من تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي والمقصود بها معاداة اليهود وتأثير الحملة السلبي على سياسة فرنسا الخارجية فقد أصبحت فرنسا الدولة النووية تخشى دائما اثارة حملة معادة السامية ضدّها فغيّرت بسبب هذه الحملة موقفها من الصراع الذي فشلت في شأنه جميع مخططات السلام.  الدول الغربية  سارعت بإدانة روسيا في حربها مع أوكرانيا و اتخذت ضدها عقوبات اقتصادية الغاية منها إضعاف الاقتصاد الروسي لكنها لم تدن هجمات اسرائيل الوحشية على المدنيين الفلسطينيين و على البنى التحتية الفلسطينية من مستشفيات ومدارس و لم تتخذ ضدّها عقوبات اقتصادية ان هذه الدول لا تريد البتة الضغط على إسرائيل و لا تريد اتخاذ عقوبات ضدّها فإسرائيل حليفة الأوربيين في المنطقة  ان فرنسا قد تجد نفسها في عزلة إذا ضغطت بمفردها على إسرائيل.  ان أوروبا تتمسّك في العلن بنظرية الدولتين (دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل) لكن في السرّ يقول مسؤولوها أن هذا الحل لم يعد ممكنا ويصف هذا السلوك بالنفاق. في خلاصة لم تغير فرنسا رسميا موقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكن غيّرته عمليا ففقدت بذلك في المدة الأخيرة خاصة كثيرا من شعبيتها في العالم العربي الإسلامي وقد نبه السفراء الفرنسيون إلى مخاطر كل ذلك على مصالح فرنسا في الشرق الأوسط والعلم العربي في رسالتهم الأخيرة إلى إمانويل ماكرون بين ليلة وضحاها، عدلت فرنسا بهدوء موقفها تجاه الحرب في غزة بشكل لم يكن متوقعا. إن باريس التي تُعَدُّ موطن أكبر المجتمعات اليهودية والمسلمة في أوروبا، وتخوض حربا ضروسا في الداخل على كل مظاهر التديُّن الإسلامي؛ حولت تدريجيا بوصلة سياساتها منذ اندلعت معركة « طوفان الأقصى » في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ففي بداية الهجوم، سارعت فرنسا إلى الانضمام إلى نظرائها في الاتحاد الأوروبي، وأعلنت دعمها الكامل لحق الاحتلال الإسرائيلي المزعوم في الدفاع عن نفسه، بينما أضاء برج إيفل بألوان العلم الإسرائيلي. ومن بين كل الحلفاء، اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل تحالف دولي ضد حركة المقاومة الإسلامية « حماس »، على غرار التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا، وفي الوقت ذاته حظرت على أراضيها التجمُّعات المؤيدة لفلسطين لم تكتفِ فرنسا بذلك، فبعد أسبوعين من عملية « طوفان الأقصى »، التقى ماكرون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس ضمن جولة شملت مصر والأردن تضامنا مع تل أبيب، دون اكتراث بأعداد القتلى المدنيين في غزة. ولكن الدور الفرنسي لم يَسِر على الوتيرة نفسها، ففي غضون أقل من ثلاثة أسابيع، هدأت نبرة ماكرون الداعمة للاحتلال، وخرجت تصريحاته نسبيا عن الاصطفاف الأوروبي، داعيا إسرائيل لوقف قتل المدنيين، فيما استضافت باريس مؤتمرا لجمع المساعدات الإنسانية من أجل الفلسطينيين، وتعهَّد بتوفير تبرعات فرنسية بين 20 مليون يورو إلى 100 مليون يورو هذا العام

تحوُّل بطيئ

 تشهد السياسة الخارجية لفرنسا في آخر عقدين تحوُّلا بطيئا عن مواقف كانت في الماضي عقيدة فرنسية راسخة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي. لقد كانت فرنسا ترى أنه لا يمكن تسوية الصراع إلا عن طريق حل الدولتين (ومن ثمَّ رفضت باريس عام 2017 الاعتراف بقرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بجعل القدس عاصمة لإسرائيل، إذ اعتبرت أن القدس أرض محتلة). ورغم ذلك، بدأ الرؤساء المتعاقبون منذ مطلع الألفية بالتخلي تدريجيا عن هذه العقيدة السياسية، والاصطفاف بشكل أكثر صراحة مع مواقف إسرائيل. تعود علاقة فرنسا الرسمية مع القضية الفلسطينية إلى نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947، حين صوَّتت باريس لصالح قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية والأخرى يهودية، وأسفر ذلك القرار عن إعلان تأسيس دولة الاحتلال التي اعترفت بها فرنسا. ولكن الوثائق السرية تشير إلى دور الحكومة الفرنسية الذي مهَّد لظهور الكيان الصهيوني، بدءا من اتفاقية « سايكس بيكو » وموافقتها على وعد بلفور. وبحلول الخمسينيات، كانت فرنسا الحليف الذي لجأ إليه الاحتلال، والمورد الرئيس للأسلحة والعتاد العسكري، حتى إن الفرنسيين هم مَن ساهم المساهمة الأكبر في بناء المفاعل النووي في ديمونة بصحراء النقب. ولم تقف الحماية عند ذلك الحد، بل تدخلت فرنسا إلى جانب بريطانيا وإسرائيل عام 1956 ضمن العدوان الثلاثي الذي هدف بالأساس إلى الإطاحة بحكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر . بوصول الرئيس الفرنسي شارل ديغول إلى السلطة، لم تعد مواثيق الصداقة بالمتانة ذاتها، وعقب حرب عام 1967، التي احتلت إسرائيل على إثرها سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، علَّقت فرنسا صفقات تعليق بيع الأسلحة لتل أبيب، كما دعمت قرارات مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وكانت تلك الخطوات بمنزلة شرخ في العلاقات بين فرنسا وإسرائيل. وقد استمرت العلاقات الدبلوماسية على ودها البارد، في الوقت الذي اتجهت فيه دولة الاحتلال إلى الاعتماد على تحالفها الوثيق مع واشنطن. شهدت حقبة الثمانينيات بوادر تقارب جديد بوصول الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى السلطة، وزيارته إلى دولة الاحتلال، لكن ذلك لم يمنعه من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتبرتها واشنطن وإسرائيل آنذاك منظمة إرهابية. ثم استمرت فرنسا على هذا النهج عقب تولي الرئيس جاك شيراك، الذي دعا صراحة للاعتراف بدولة فلسطين . عموما، عُدَّت فترة حكم ميتران وشيراك العصر الذهبي للقضية الفلسطينية في باريس، ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى الإليزيه عام 2007، بالتزامن مع هجوم إسرائيل على غزة عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، شهدت السياسة الفرنسية نقطة تحول ومنعطفا جديدا كان أول شواهده استقبال الرئيس الفرنسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون في باريس رغم جرائم الحرب التي ارتكبها جيشه بحق الفلسطينيين. وقد استمرت السياسة الفرنسية على النهج الموالي لإسرائيل مع فرانسوا أولاند وإيمانويل ماكرون، حيث قدَّما نفسيهما على أنهما صديقان للاحتلال، من دون التخلي شكليا عن مبدأ حل الدولتين، والاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولكن الذي اختلف هو أن أحدا لم يعُد يضغط بقوة من أجل حل القضية الفلسطينية بشكل عادل في ظل تطور العلاقات بين باريس وتل أبيب

 الإدانة المشروطة

عقب اندلاع « طوفان الأقصى »، كانت فرنسا من أوائل الدول التي دعمت الاحتلال بشكل غير مشروط، وأدانت المقاومة الفلسطينية بلا لبس. ولم يكتفِ ماكرون بتقديم الدعم، بل طار إلى تل أبيب ليكون قريبا من حلفائه، ودعا من هناك إلى تشكيل تحالف دولي لاجتثاث حماس، لكن عقب مرور أسابيع فشل فيها الاحتلال في استعادة أسراه أو إحداث أي انتصارات عسكرية ذات قيمة في المعركة، في الوقت الذي أسقط فيه آلاف المدنيين بدم بارد، غيَّر ماكرون من تعاطيه مع الحدث، ووجَّه في لقاء له مع هيئة الإذاعة البريطانية « بي بي سي » انتقادات لحرب الاحتلال وحملته البرية على غزة علانية بقوله: « يجب على إسرائيل أن تتوقف عن قتل الأطفال والنساء وكبار السن في غزة، لا يوجد مبرر للقصف ». وبعدما كان يدعو العالم للوقوف في صف إسرائيل، تغيرت لهجته وبات يدعو القادة الأوروبيين والولايات المتحدة لدعم موقفه من أجل الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار. تكشف بعض أسرار هذا التحول مذكرة كان من المفترض أن تكون سرية، لكنها سُرِّبَت لصحيفة « لوفيغارو » الفرنسية. لقد كتب 12 سفيرا فرنسيا في الشرق الأوسط ومنطقة المغرب العربي مذكرة جماعية وقعوا عليها وأرسلوها إلى قصر الإليزيه ووزارة الخارجية الفرنسية، وهي سابقة في تاريخ الدبلوماسية الفرنسية، وتضمَّنت المذكرة اعتراضات صريحة وتحذيرات من تداعيات المواقف التي اتخذها ماكرون لدعم إسرائيل، وباتت فرنسا على إثرها متهمة بالتواطؤ في أعمال الإبادة التي قام بها الاحتلال في غزة. لقد تصاعد الغضب إلى حد تهديد أحد السفراء الفرنسيين العاملين في المنطقة بالقتل، ولذا اتخذ السفراء موقفا دبلوماسيا داخليا في محاولة لتغيير موقف الحكومة الفرنسية، والعودة بها مرة أخرى إلى التوازن . ليست تلك الرسالة وحدها على ما يبدو هي ما دفع ماكرون إلى مراجعة سياسته، فالعملية التي شنتها حماس والغزو البري الإسرائيلي كانا كفيليْن بإشعال التوترات العميقة في الداخل الفرنسي. إن فرنسا موطن لنحو نصف مليون يهودي، وفي الوقت نفسه، يُمثِّل المسلمون ما لا يقل عن ستة ملايين نسمة من سكان فرنسا البالغ عددهم 70 مليون شخص، ومعظمهم من المغرب العربي، ما يجعلهم أكبر مجتمع مسلم في أوروبا. كانت تلك اعتبارات من المفترض أن يضعها ماكرون في الحسبان قبل أن يُعلن دعمه غير المشروط لإسرائيل، وقبل أن تتخذ شُرطة باريس موقفا قاسيا ضد الاحتجاجات المناصرة للقضية الفلسطينية. سرعان ما أصبحت فرنسا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تدعو رسميا وعلنا إلى وقف إطلاق النار في غزة، وإلى هُدنة مستدامة بين حماس والاحتلال لإنهاء الحرب. ولم تكن الدوافع الفرنسية نتيجة صحوة متأخرة، بقدر ما كانت مرتبطة بأسباب براغماتية مرتبطة بطموح فرنسا لإعادة تأثيرها المفقود على الساحة العالمية، وإعادة موضعة نفسها في الشرق الأوسط كي تحظى بمصداقية كافية تتيح لها أن تكون وسيطا حقيقيا ذا صوت مسموع. يأتي كل ذلك في إطار سياسة « الاستقلال الإستراتيجي » عن واشنطن التي تتبناها باريس تحت قيادة ماكرون، في محاولة منه لاستدعاء الإرث القديم لديغول، بعد أن اتجهت باريس إلى الاصطفاف أكثر مع واشنطن منذ رئاسة ساركوزي

التحولات المفاجئة

يمكن قراءة التحولات المفاجئة في تصريحات ماكرون أيضا في خضم الصراعات الداخلية في فرنسا بين التيارات السياسية المختلفة، فقد انقسم المشهد السياسي في البلاد إلى 3 تيارات أساسية: اليمين المتطرف بقياداته المختلفة، واليسار الراديكالي بقيادة حزب « فرنسا الأبية »، ثم هنالك ما يعرف بـ »التيار الماكروني » الذي لا يعبر فقط عن داعمي الرئيس الفرنسي الحالي، لكنه تيار سياسي واسع لا ينتمي إلى التيارات السياسات الكلاسيكية ويشق خطا مختلفا له. في البداية، اختار ماكرون وتياره اتخاذ موقف حاد من هجوم المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وذلك من خلال إظهار انحياز واضح لتل أبيب، وذلك لتجنب مزايدات اليمين المتطرف الذي يحاول في السنوات الأخيرة التخلص من عار الوصمة النازية، والتعبير عن دعم كامل لليهود ممثلين في إسرائيل، لتجاوز بعض التصريحات والمواقف القديمة التي وضعت هذا التيار في خانة « معادية للسامية » . لذلك، دعمت الحكومة الفرنسية إسرائيل، محاولة في الوقت نفسه الاستئثار بهذا الدعم عبر التذكير بالمواقف القديمة لليمين المتطرف، وهو ما جاء في تغريدة لإليزابيث بورن، رئيسة الحكومة الفرنسية، قالت فيها إن حضور حزب مارين لوبين في « المسيرة ضد معاداة السامية » التي نُظِّمت في 12 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي « لا يخدع أحدا ». في التغريدة ذاتها، قالت بورن إن غياب حزب « فرنسا الأبية » يتحدث عن نفسه، وهنا تظهر قطعة أخرى من الأحجية السياسية الفرنسية. فمنذ بداية الأحداث اتخذ حزب « فرنسا الأبية » موقفا داعما لغزة، مسلطا الضوء على الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين. كما وصف بعض أعضائه ما يحدث في القطاع بالإبادة العِرقية في الإعلام، في الوقت الذي كانت البرامج الحوارية الفرنسية تمجد دولة الاحتلال ليل نهار، وتشن هجوما قويا على كل شخص يتجرأ على انتقاد تل أبيب بل ونتنياهو. كانت إستراتيجية الحكومة الفرنسية دائما هي اعتبار اليسار الراديكالي وجها آخر لليمين المتطرف، عبر اتهامه بمعاداة السامية وتأجيج الرأي العام ضد إسرائيل، وهو ما يُعَدُّ محرما في فرنسا، ناهيك بوصفه حركة « حماس » بأنها « حركة مقاومة »، وهو ما يُعَدُّ خروجا كبيرا على النغمة السياسية السائدة في باريس. ولكن مع استمرار الحرب الإسرائيلية القاسية، ومواصلة حزب « جون لوك ميلانشون » دعمه لغزة، مسجلا حضورا دائما في المظاهرات الداعمة لفلسطين حتى في فترة المنع الرسمي، وجد ماكرون نفسه مطالبا بإيجاد موقف متوازن لتأكيد سياسته المختلفة عن سياسات « التيارات المتطرفة »، من وجهة نظره، على الجانبين. بدأ هذا التغير تدريجيا، في البداية كان التساهل نسبيا مع تنظيم تجمعات ومظاهرات داعمة لفلسطين، لينتهي الأمر بانتقاد رغبة إسرائيل في القضاء على حماس بحجة أن هذا الهدف غير واقعي ويمكن أن يطيل أمد الحرب لسنوات، والمطالبة بوقف دائم لإطلاق النار. لا يمكننا قراءة هذا التغير في الموقف الفرنسي الرسمي بوصفه رؤية إستراتيجية بقدر ما يمكن رؤيته على أنه رد فعل ناجم عن الضبابية الكبيرة التي يعيش فيها الإليزيه فيما يخص عددا كبيرا من القضايا ومنها الملفات الخاصة بالشرق الأوسط، حيث لا يمكننا وصف التحركات الفرنسية في المنطقة بكونها ناجحة بما في ذلك تحركاتها في لبنان، الساحة الأبرز للنفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه، فإن هذا السعي الحثيث وراء أحلام العودة إلى لعب دور خارجي أوسع، يُفقِد ماكرون وبلاده الكثير من المصداقية كما ترى « أنييس لوفالوا »  الكاتبة والباحثة في معهد الأبحاث والدراسات، بشأن البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، خصوصا حين نادى بتشكيل تحالف للقضاء على حماس. لا تملك فرنسا أيضا أي وسيلة حقيقية لتحقيق الحل الذي لطالما نادت به، وهو حل الدولتين، كما أنها تعلم يقينا أن مسألة تسليم غزة للسلطة الفلسطينية لا يقل صعوبة عن إنهاء المقاومة الإسلامية في القطاع. يملك ماكرون بجانب كل هذه الأسباب سابقة الذكر سببا مهما لاتخاذ موقف مختلف، ألا وهو أن استمرار الحرب يزيد من انفجار الموقف داخليا بسبب تنامي الإسلاموفوبيا والعداء للسامية في آنٍ واحد على الأراضي الفرنسية. ولذا بات الرئيس الفرنسي مجبرا على البحث عن توازن دقيق لا يُغضِب المسلمين ولا ينفر المجتمع اليهودي على السواء لتفادي تفاقم الاستقطاب الداخلي، وفي الوقت نفسه لمحاولة استعادة نفوذ باريس الضائع. لقد أثبتت الأيام الأخيرة تخبط مساعي الأطراف التي حققت مكاسب فورية من إشعال التوترات العميقة في فرنسا أملا في الفوز بحصة من أصوات الناخبين على اليمين أو اليسار، والأهم أن الدعم الغربي الأعمى للاحتلال فتح الباب لوسطاء جُدُد بعيدا عن لندن وواشنطن وبرلين، وتُعَدُّ تلك فرصة في نظر ماكرون للعودة مجددا إلى المبدأ الديغولي القديم واستعادة السياسة الفرنسية التقليدية تجاه القضية الفلسطينية

Laisser un commentaire

francais - anglais ..